الرئيسية | منوعات | البعد الوطني في عراضاتنا الشعبية

البعد الوطني في عراضاتنا الشعبية

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

العراضة موكب شعبي تؤدي فيها الجماهير أهازيج خفيفة الوزن، منسجمة التعابير أليفة إلى الأذن، يردّدها الناس وراء الوصافين «الهتافين» بصوت واحد، على وزن واحد، ووتيرة واحدة، فتأتي كالسيل يتدفق من الأفواه.
إذا تأملت أفراد جمهور العراضة، ترى في كل خلّية من خلايا أجسامهم توثباً ونبضاً بالتعبير، وقسمات وجوههم ومخارج الحروف من أفواههم تكاد تنفجر تعبيراً.
فعندما كان أبطالنا يقارعون الاستعمار بالحجارة والشبريّة والخنجر، كانت الأهزوجة في العراضة تصور ذلك أبلغ تصوير:

وإن هلهلت هلهلنا لك/ صبينا البارود قبالك/ يا سورية نحنا رجالك/ وصغارنا تحمل خناجر/وكبارنا عالحرب واصل/ سيوفنا المجليه/بارودنا العصملّي.

العراضة ضمير الشعب
ولعل السر في ذلك التعايش بين نص الأهزوجة والوجدان الشعبي، يعود إلى أن واضع أهزوجة العراضة مطبوع على التحسس بأحاسيس المجتمع، ويعيش الأحداث والمناسبات التي تعتلج الوجدان الجمعي وتفكير الناس، ومواقفهم ومُثُلهم وتطلعاتهم، حتى أصبحت أهازيج العراضات رفيقة حياة المجتمع جيلاً بعد جيل، يسترجعون من خلالها أيامهم ومواقفهم وبطولاتهم في وجه أعتى قوى الاستعمار شراسة.
ذلك أن هذه العراضات لعبت دوراً كبيراً في حياة بلادنا في فترة مقارعة الاستعمار فكانت الوسيلة التي عملت على شحن الطاقات وتفجيرها، يوم كانت الحجارة تقابل الدبابة، و العصا والخنجر حيال الرصاص والقنابل، وليسقط من يسقط شهيداً فداء لتراب الوطن وقدسية حريته.

العراضة رديف الثوار
ولئن اتخذ المناضلون من الثوار خطة الكر والفر والمباغتة لجعل العدو في ذعر دائم فلا تغمض له عين ولا ترتاح له أذن، فإن أهازيج العراضة عبّرت عن هذه الحمية والتضحية والفداء، وجعل الشهادة عربون اللقاء على أرض تنعم بالحرية في ظل علم البلاد.
يا فرج ولّف عالخيل/ إجانا الخبر بالليل/ مدري شرّ مدري خير/ يالله ضهورة «صهوة» يالله الخيل/ يالله ضهوره يا نشاما.
وكثيراً ما كانت الشعبية لهذه العراضات تخرج عن مسيرتها، وتتحول العراضة من موكب للاحتفال بالمولد النبوي، إلى مصادمات تتصدى لقوات الاحتلال وتقضّ مضاجعها ويطيش حجرها/ حاجة يا خرّاط «المجاهد حسن الخراط» حاجة تنادي.
دبّحنا العسكر بأرض الوادي/ دبّحنا العسكر والدنيا ظلام/ حاجة يا خراط حاجة تقول/ دبحنا العسكر بأرض الشاغور/ وصغارنا تحمل خناجر/ وكبارنا عالحرب واصل.

مواكب الشهداء:
كما قد تتحوّل مواكب تشييع الشهداء، الذين سقطوا برصاص المستعمر إلى مصادمة مع القوات المحتلة، فتعمل تلك الأهازيج على إثارة الحماسة واسترخاص الحياة وتفجير الأحاسيس إلى بطولة توحّد وتلم الشمل وتصهر الجميع صغاراً وكباراً شيباً وشباناً في بوتقة واحدة، يحددها هدف واحد، ألا وهو تطهير الوطن من رجس الاحتلال، حتى لكأن أهازيج هذه المواكب سجل أمين للأحداث التي مرّت بالوطن. ويستطيع الباحث من خلالها تلمس البطولات التي عايشها وقام بها شعبنا خلال الثورة السورية الكبرى والثورات التي اندلعت من قبل ومن بعد على امتداد البلاد، حتى توّج الشعب نضاله بالاستقلال.

مناسبات العراضات
تعايشت العراضة مع جميع المناسبات التي عاشها المجتمع وانطبعت بطابع تلك المناسبات، سواء ما كان منها المناسبات الدينية أم الوطنية أم الاجتماعية كالاحتفال بالمولد النبوي والتصدي لسلطات الاحتلال وكذلك استقبال الأحبة وذوي الوجاهة والسلطان ووداعهم، واحتفالات الأعراس، وختم القرآن الكريم والختان «الطهور» ووداع واستقبال الحجيج.
وهي في جميع هذه المناسبات تكاد توجّه الرأي العام، فلا يخرج أحد عن مضامينها حتى لكأنها ضمير المجتمع فهي تصدر عن تطلعاته وأحاسيسه، فكان لها شأن في توحيد المشاعر والمواقف.

المرأة في العراضة
والعراضة في جميع أحوالها تُجِلّ الكبير وتعطف على الصغير ولا تتعرض للمرأة بسوء أو خدش، بل إنها في تعرضها للمرأة تنحو منحى غزلياً، تختلط فيها العواطف في إطار من الرجولة:
يا مليحة هاوديني/ وإن أخذتيني خذيني/ وإن أخذتك لاحرق دلّك/ على صديرك لاعبيني/ على صديرك يالبنيّه/ طير الميّة طير الفية.
دِلّي دلوك دلي دلوك/ هيّجتي العرسان عليّا/ دِلّي دلوك لعبّي لك/ من هالميّة.. من هالميّة/ طير الفية هدّي شويّة.
والعراضة في صدد الشباب، إنما تنشد شباباً تتكامل فيه الرجولة، وتنأى به عن الاستزلام والولاء لغير الوطن، فلا يخرج عن الإجماع ولا تأخذ به المغريات/ يا غنيّم يا غنام/ لا تروح درب الشمال/ بياخدك التركملّي/ بيعمل فيك كان مان/ بيعمل من جلدك رباب/ للشيوخة والشباب.
ولم يكن لواء العراضة ينعقد في يوم من الأيام تلبية لرغبة أو نزوة أو أجر وإنما كانت دائماً وأبداً تلبية لنداء وطني أو نزعة محبّة وتآلف وتآزر.

إضافة إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليق):

إضف تعليقك comment

  • email إرسال إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية (للجوال)
Tags
No tags for this article
قيم هذا الخبر
0