الرئيسية | أقلام بوست | بحر ـ بقلم:أحمد الجدوع

بحر ـ بقلم:أحمد الجدوع

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

مرتديا معطفه الأسود الطويل ركن حقيبته بجانب الطاولة الصغيرة التي جلس عليها في مقهى المطار ينتظر بإقبال المغامر وبقلق الحكيم رحلته الأولى التي حلم بها منذ بدء بدراسته الجامعية ,جاءه فنجان القهوة الذي طلب تزفه إحدى حسناوات السماء أحاط بعنقها ألما وردي عقد بسيط إلا انه يحمل قلبا من ذهب ابيض فتساءل من يكون يا ترى صاحب ذلك القلب ؟ خيل إليه وهو يلمس قدها الممشوق بعينيه وهي تذهب آفلةً بين الطاولات المليئة بالمسافرين , أنها لم تزر إلا طاولته ولم تحرث عذرية ذاك الجمال إلا عينيه اللوزيتان , استجر سيجارة من حقيبة يده واخرج علبة ثقاب لا تحوي إلا عودا يتيما أشعل سيجارته وهو يرمق رجل طاعن في السن ينفض بقايا قطرات المطر عن سترته الجلدية جلس يراقبه لا يدري لما قال في نفسه ربما انه يشبهني لأحدهم , تصاعدت رائحة القهوة فعبقت بأنفه وسارت كالبرق لتستقر في اللاوعي وتنفض الغبار عن ذاكرة ليست ببعيدة ,أغمض عينيه وهو يطلب من سيجارته جرعة نيكوتين جديدة تعينه على استحضار هذه الرائحة في منزلهم الريفي قبل ثلاثة أشهر.

 كان يوما جميلا على حرارته المرتفعة بل كان مخيفا في أوله, اليوم نتائج التخرج من قسم اللغة الانكليزية الجميع ينظر إليه بطريقة لم يعتدها قبل اليوم عيون مِلئها انتظار بفرح طالما تمنوا بزوغ فجره ولكن خوفا من المجهول حال دون أن يجعل تلك العيون مصدر اطمئنان لبحر بل على العكس كانت تقلقه وتجتر بقسوة أربع سنين قضاها في دمشق طالبا للعلم , سنون عجاف أثقلت ظهر والده وأهله أملين أن يكون بحر منقذ المستقبل القريب, في بهو المنزل جلسوا يحتسون شاي الصباح المعطر بالهيل والقرفة أما بحر فقد افترش ضل شجرة التوت العجوز التي تربى تحتها متأملا وريقاتها التي  رائها كمجتمع بأسره فيه الجميل النضر والقبيح المتهالك فشغلته عن همه الكبير مقارنة فلسفية بين كل ورقة وشخص ما يعرفه بحر,  في ذلك الوقت كان نسيم الفرات يحرك الأغصان بلين يثير غريزته الشعرية ليعقد قرانه على قصيدة جديدة إلا انه اقنع نفسه أن هذا ليس وقت الشعر فعلّق فكرته إلى حين قريب , تزداد حركة الأغصان باضطراد فتغرس أشعة الشمس أسهمها في عيني بحر لتمحي مشهد احتار في تسميته بموت أو حياة مشهد أولئك الجالسين أمام المنزل بعد دقائق طويلة بعمر سنين الدراسة على قصرها, وضع جواله على صدره بعد أن تأكد للمرة الألف انه مليء بالكهرباء وان التغطية جيدة خوفا أن يتصل به عبد الله صديق طفولته ليبلغه بمولود لوحة الإعلانات الامتحانية في الجامعة أبنت يقدمها لأبيه ليؤدها ويشَرع بمحاكمته بتهمة انتهاك شرف الفقر المخيم حولنا؟؟

أم ولد يحمل اسم العائلة ويرفعه عاليا حاملا رزقه بيده, يرتفع جواله وينخفض مع حركة صدره وترتفع درجه التوتر بدورها بداخل بحر مع كل لحظة يعلن الزمان وفاتها للأبد وبينما هو كذلك تقذفه أحلام الشاب الطموح للعمل في الخليج وأمواج تعقل خجول ورضا متمرد بالبدء بدراسة مادة شكسبير التي يخشى رسوبها مجددا ينفخ عبد الله في بوق جوال بحر اتصالا لم ولن ينساه  بحر ما حيي امسكه ويداه ترتجفان قرء اسم عبد الله مرات قليلة ليتأكد انه هو هو عبد الله هدهد الخبر اليقين رفع جواله ببطء نحو أذنه اليسرى أغمض عينيه وهو يتمتم بأدعية طالما حفظها عن  أمه الغالية يرد بصمت رهيب يهتف عبد الله

 "بحر بحر رد ياخي ولاّ صرت أستاذ انكليزي وتكبرت علينا"

 يا لها من جملة خرت بجبهة بحر إلى تراب شجرته العجوز ساجدا لله حمدا ,

شكر صديقه على عجل أخفى فرحته بوقار تعوده أمام أبيه واتاه يطوي الأرض بسرعة الضوء على استحياء كانت فراسة أمه بملامح وجه ولدها البكر كفيلة أن تطلق تلك الهلهولة الفراتية الرنانة معلنة صفحة جديدة لعائلة ربطت ببحر بعد الله أملها.

امتلأت دار أبي بحر بالمهنئين وكانت رائحة القهوة العربية المعتّقة تغازل بشذاها عبير الياسمين المتدلي على سور المنزل بلغة لا يفهمها إلا صديقهما الأزلي  بحر وقلمه المجنون.

 يلثم خدا بحر السمراوين شفاه رجال تفوح منها رائحة مياه فرات هو اغلي ما يملكون في قريتهم الصغيرة المسجاةِ كأميرة على ضفافه البراقة ويطلقون ذلك التساؤل الذي بدء يزعج بحر كثيرا:

 " شبدك تساوي الآن" فيرد كعادته

 " والله بدي سافر عالخليج" فيأته ذلك الرد الذي لم تخطر له إلا هذه الأيام فقط

 " وقدرت تأمن مصاري الفيزا؟؟؟؟"  فيقول بيقين كان ولا زال يجهل مصدره

" بإذن الله ربك كريم ما ينسى عباده" .

مرت شهرين على تخرج بحر وهو يسعى في مناكبها باحثا عن وسيلة لتحقيق هدفه إلا أن فوجئ ذات يوم باتصال أنقذه من غياهب سجن اليأس الذي راح يسري كجرعة مخدر في دماء لم تعرف اليأس يوما يأتيه زافا له بشرى لطالما انتظرها :

" أذهب واستلم فيزتك "

أعاد صوت ملائكي بحر إلى كرسيه في ارض المطار "يرجى من السادة المسافرين في الرحلة رقم 1313 المتجهة إلى الرياض التوجه للطائرة", أطفئ سيجارته الرابعة مع أخر رشفة من فنجانه وسار والأمل يفجر براكين سعادة غامرة بداخله إلا أنها وللأسف براكين اسكتلندية  تقذف مع الأمل الكبير فوق رأسه سحابة من غبار خوف دفين من اقتحام المجهول يأمل زواله قريبا لتقلع طائرة الشغف التي صنعها بقلمه وقلبه إلى اللانهاية, نظر إلى دمشق التي عشقها حد الجنون قائلا

 لن أكون إلا لك مولاتي ولن يغفو جسدي إلا بين حنايا ترابك الأبي.

بقلم :المهندس احمد الجدوع

amg707@gmail.com

إضافة إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg | Share on Facebook Facebook

التعليقات (16 تعليق):

ندى التميمي ( فيض من الحب ) في 29 July, 2010 04:11:25
avatar
تحياتي لك مهندس أحمد ...
رائع جدا ماكتبته،خيال خصب واسع ،وأحلاماً تخطت حدود عالم الأحلام ،واسلوب رائع ، ووصف جميل جدا ، من عمق الوصف اندمجنا مع القصة ،و كدنا نصدق حروفك التي كتبتها ... ...
ماأجمل أن يسبح الانسان بخياله الواسع ليعانق احلامه التي طالما انتظر تحقيقها ...
لكن مرة أخرى لاتضع الجوال على صدرك نظراً لخطورته ، ولا تكثر التدخين ، أيضاً نظراً لخطورته !!!!
تقبل مني فائق تقديري واحترامي ...
هديل في 30 July, 2010 03:18:18
avatar
قصة رائعة جدا تشبه قصة جميع المغتربين بما فيهم انا. تتجلى فيها سعادة بحر لتحقيق حلمه اخيرا و السفر للعمل و تحقيق الذات, و في نفس الوقت شوقه و عذابه لفراق اهله ووطنه. و اروع ما في القصة الجملة الاخيرة (نظر إلى دمشق التي عشقها حد الجنون قائلا: لن أكون إلا لك مولاتي ولن يغفو جسدي إلا بين حنايا ترابك الأبي). تلك الجملة التي يرددها كل مغترب في لحظة وداعه لمحبوبته دمشق و كله يقين بانه سيعود ذات يوما لتلك المحبوبة التي ولد و تربى و سيموت و هو بين يديها, تلك المحبوبة التي يعشقها كل الرجال و كل النساء و كل الاطفال. ذلك الحلم الجميل و صندوق الذكريات السعيدة و الحزينة. هنيئا من القلب و الروح يا صديقي على هذه القصة السعيدة الحزينة و اتمنى ان تكون بداية لقصص و روايات طويلة. مع فائق الاحترام و التقدير لشاعرنا و اديبنا و مهندسنا الكبير أحمد الجدوع.
قلم رصاص في 31 July, 2010 04:03:52
avatar
الاستاذ احمد الجدوع تحية صباحية
هربت من بحورالخليل بن احمد شعرا ، فغرقت في محيطات القص وتصدى لك زكريا تامر في القصة ، الى اين المفر؟؟؟الى المقالة ام المسرحية ، لكن في المسرح يقف امامك سعد الله ونوس ممتشقا سكينة الابداع العربي وشكسبير في الادب الغربي.الكتابة هي انفعال شخصي واطلاع .. ارجو التريث بعض الشيء ، لأنك تملك القدرة على المثابرة.
اشكر الاستاذة في سيريا بوست
م.أحمد الجدوع في 04 August, 2010 03:40:51
avatar
فيض من حب
بحر هو ذام الشاب الفراتي الاسمر الذي يخوض الان عباب الواقع المرير والحلم الكبير.
اشكرك تفضلك بالمرور سيدتي واتقبل نصائحك بكل حب واحترام
م.أحمد الجدوع في 04 August, 2010 03:43:50
avatar
اختي وصديقتي الغالية هديل
ان الادب سيدتي كحصان الخيال الجامح يقود فكرنا بناءا على واقعنا حيثما يريد اسعدني مرورك وشرفني كثيرا
مع تمنايتي ان تعودي لنا حاملة الماجتسير عن قريب
م.أحمد الجدوع في 04 August, 2010 03:53:09
avatar
قلم رصاص
صدقني لم افهم عليك شيئا ؟؟؟
اين النقد بالموضوع ؟؟؟
انت من اخبرك انني لا اكتب القصة ومايهمك يا اخي بماذا اكتب وكيف ؟؟
تمنيت لو انك نقدت القصة نقدا فنيا او ادبيا وا حتى دراميا؟؟
ثم انني لم اكتب شعرا عموديا معتمد على البحور ولم يصفعني زكريا لكي استفيق من جهلي ولم ارى سعد الله ونوس حاملا سكينته لكي يذبحني ثم ان كل من ذكرتهم من عمالقة اتشرف باسمائهم كانوا يوما ما مبتدئي ولم يولدو عظاما
اتمنى عليك ان تكون موضوعيا في نقد وليس قاذعا في انتقادك.
كما اقترح عليك ان تعلم الفرق بين النقد والانتقاد
ياسميـن مغيـب في 04 August, 2010 04:30:29
avatar
عندما قرأت قصتك مر أمامي شريط حياتي من تخرج من الجامعة وانتظار المصير المجهول ورغبة في تحقيق الذات وصراع نفسي بين ترك الوطن الذي يعني الأهل والراحة والطمأنينة أو البقاء فيه وتقبل الأمر الواقع والتنازل عن بعض الأحلام، صور جمالية أكثر من رائعة نابعة من قلب شاعر دمت لنا كاتبا وشاعرا ودام قلمك الذي يمتعنا بكل حرف يسطره...
م.أحمد الجدوع في 05 August, 2010 07:33:35
avatar
شرفتني كعادتك سيدتي اسئل الله ان يعنني لاحذو حذوك وانال الماجستير باذنه تعالى
الدكتور فلاح جاسم في 07 August, 2010 05:49:15
avatar
المهندس احمد الجدوع تحية عطرة لشخصك الكريم، هل هذه سيرة ذاتية للشباب الذين يتخرجون حديثا؟تعتمل في أذهانهم عشرات الأفكار...اظنها كذلك،
أو على الأقل فيها ملامح من ذلك الواقع الجديد بعد التخرج،عندما يضع أحدنا رجله على عتبة طريق جديد،يخشى ألا كما يتمنى.
قصة جميلة امتزجت فيها الواقعية المبكية بالرمز،جميل هو اتحاد وجه الحبيبة بالوطن فكلاهما وطن يسكننا مهما بعدنا.
"بحر" هو بحر سيبقى كما سابق عهده محبا ودودا...
تحياتي لك مرة اخرى ودمت بخير
م.أحمد الجدوع في 08 August, 2010 05:17:13
avatar
شرف كبير لقصتي الاولى ان تتوج بلمسة فلاحية من يراعكم الكريم سيدي
م. عمار في 09 August, 2010 02:49:44
avatar
إلى الغالي أحمد
قرأت قصة القصيرة وأحسست بعمق مشارك وألمك
لديك أسلوب أدبي جميل جداً وفريد من نوعه ينقل القارئ الى عالمك المليئ بالمشاعر المتضارة بين الحزن والفرح وبين اليأس والأمل
أتمنى لك فرحاً قربياً يليق بشخصك الكريم
م.أحمد الجدوع في 10 August, 2010 04:39:24
avatar
استاذ عمار
اشكرك من القلب اخي
أحمد في 12 August, 2010 11:50:17
avatar
قصة رائعة جدا
مع فائق الاحترام و التقدير لشاعرنا و اديبنا و مهندسنا الكبير أحمد الجدوع.
قتيبة في 12 August, 2010 11:54:25
avatar
والله التعلقيات مالها علاقة مثل هالنص المذكور

وفي تملق وتمسيح جوخ
م.أحمد الجدوع في 12 August, 2010 07:38:58
avatar
انما الروعة فاضت من جوانح عينيك اللتين قرئنها
استاذ احمد شكرا من القلب
م.أحمد الجدوع في 12 August, 2010 07:41:57
avatar
استاذ قتيبة
بس ماعرفنا مالها علاقة بايش؟؟
الظاهر عجبتك حلقة التملق بضيعة ضايعة
احترم رئيك اخي

إضف تعليقك comment

الرجاء إدخال الكود الموجود في الصورة:

  • email إرسال إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية (للجوال)
Tags
No tags for this article