"سها شريّف" في القصة القصيرة جدّاً.. إضاءة نقدية - بقلم محمد قرانيا
-1-
تتجلّى في قصص "سها شريّف" القصيرة جداً ومضاتٌ وإشراقاتٌ، وربما برقيات، ترصد اللحظة المأزومة، وتستجيب لطبيعة عصر السرعة، وحركة المجتمع العربي، وقد بدأت تجد لها مكانة، في زمن انتشار ثقافة (السندويتش) أو الـ(فاست فود).. لتواكب الأحداث المتلاحقة، والتقلبّات الاجتماعية وتغيّراتها... وسيرورتها (الحياتية.
وتتجلى في قصص الكاتبة القصيرة جدّاً لمحاتٌ جماليةٌ، وطرافةٌ وطزاجةٌ، كبرقيتي (الحب الكاذب) و(تحليق) وهذه الأخيرة سردٌ مكتوبٌ، يدور حول حدثٍ محدودٍ. ويعبّر عن ممارسةٍ فنيةٍ مؤطّرةٍ في الزمان والفضاء، والكتابة، وهي مكثّفةٌ تكثيفاً شديداً، ومختزلةٌ في ثماني كلمات، تقول: (قَصوا له جناحيه، وسلّموه الإدارة، وقالوا له حلّق كيفما تشاء) واللافت في هذه البرقية أنها تخالف المعهود في الفساد الإداري الذي تعرّيه الكاتبة، لأن الذي يستلم الإدارة، يقال له ركّبنا لك أجنحةً، لتحلّق فوق الريح.
-2-
ونظراً للتكثيف الشديد، فقد تركّزت كل قصةٍ على حدثٍ واحدٍ، وقدّمت نفسها على طبقٍ من البساطة، والوضوح، بعيداً عن الاستغراق الشعري، كشكلٍ من الكتابة الحداثية، بدأ يفرض بنيته، وأسلوبه، و(ثيماته). إنها القصة الومضة، كقصة (مساومة) التي تومض باللون والحركة، وتعتمد على الحذف، والتكثيف، وعلى الإبراق السريع، والكتابة التلغرافية... وهذا ما يمنحها جماليتها. ولكنها اعتمدت على النـزعة الواقعية، والسرد المكشوف الذي يقول كل شيءٍ في عشرين كلمةً، ولا يترك شيئاً للقارئ يستوحيه بنفسه.
لقد التزمت معظم القصص بمبدأ الوحدة العضوية، أي إضاءة حدثٍ واضحٍ، في حبكةٍ مدروسةٍ، من دون ترهّلٍ. ولعل الهوية البارزة لمعظمها تجلّت في تكثيف الصور وإيجاز الرؤى، بغية الحفاظ على جوهرها من دون شرحٍ أو تفصيلٍ، أي تفصيل السرد على مقاسها تماماً من دون تطويلٍ مملٍّ أو اختصارٍ مُخلّ. و لعل هذا الشرط هو الأصعب بين عناصر القصة القصيرة جداً، لأنه تعبيرٌ عن الموهبة المبدعة، والثقافة الثرّة، والقدرات اللغوية، والتركيز الذهني الشديد. .

-3-
واتسمت بعض القصص بالطرافة، فرسمت على الشفاه البسمة، ولامست مستوى من الإضحاك يعتمد على المفارقات وتعارض القيم الوجدانية، كما اشتغلت بعض القصص على مستوى نقديّ مقبول، بعيدٍ عن المزاح والمداعبة، فسخرت سخريةً سوداء تفضح الواقعَ المرير بالرمز فاستمطرت النقمة، كما في قصة (المؤتمر) التي اشتغلت على السخرية السياسية السوداء، بجرأةٍ وحرفيةٍ عاليةٍ، تصدر عن رسالةٍ وهدفٍ وغاية، وليس الأمر عفوياً لتسلية القرّاء،والترفيه عنهم.
كما احتفت بعض قصصها بالشخصية، التي تُنجِز حدثاً يشكّل جوهر السرد، كقصة (السيد.
-4-
واتخذت بعض القصص رموزاً من الحيوانات الأليفة التي تُسقط دلالاتِها على الإنسان، وبتقنيةٍ قوامها الإيماض، والإشارة ، والتلميح، والإيجاز البليغ، وسواه من خاصيات القصة الومضة. لذلك حفلت بالمفاجأة، والتأثير، والتبليغ الإشاري، والمجاز، والترميز... وهي بذلك تكسر رتابة الحكي، وثقل السرد... وتخرج عن التقليدي المألوف. فكان الكلب في قصة (الوفاء بعينه) رمزاً حيوياً للإنسان الكلبي يليق به، كما كان العصفور والعصفورة في قصتها (طار قبل أوانه) رمزين، جسّدت الكاتبة من خلالهما العلاقة الإنسانية العاطفية، بين الذكورة والأنوثة، وأدانت تعجّل العصفور في ملاحقة العصفورة، ولكن يلاحظ انحياز الكاتبة إلى بنات جنسها، فلم توجّه جانباً من الإدانة للعصفورة التي أغوت الطير وكانت سبباً في هلاكه، تماشياً مع الواقع الذي يقول إنه لا تقوم مشكلةٌ عاطفيةٌ إلاّ على طرفين، بغضّ النظر عن نسبة الغلط لدى كل طرفٍ، وهذا لا يعني عدم فنية القصة الومضة، فاللقطة بارعةٌ ولكن ملاحظتنا تلمس معيار الحكم.
-5-
واشتغلت بعض القصص على عنصر (المفارقة) والمفارقةُ من شأنها إظهار التباين بين أمرين متناقضين، بوصف المفارقة إحدى المحسنّات البلاغية البديعية التي تبدو فيها العبارة، عبارةً يتناقض معناها في الظاهر، مع معناها في الباطن، لكنّها- في مطلق الأحوال- تقوم على أساسٍ صحيحٍ، يجمع بين النقيضين، ويمزج مزجاً طريفاً بين المختلفين.. كقصة (الخلع) التي اعتمدت على مفارقة الحدث، ومفارقة اللغة، أما مفارقة الحدث فقد اعتمدت على انقلاب الفعل على صاحبه، فخلْعُ الزوجِ للماضي والأحلام والمبادئ والأهلِ والأصدقاء كان بتشجيعٍ من الزوجة التي لم تكن تحسب أن هذا الخلع سينقلب عليها، وهذه المفارقة هي العنصر الجوهريّ الذي يتمحور حول تقنية تفريغ الذروة، وصدم القارئ بما لا يتوقّع. أما مفارقة اللغة فقد اعتمدت على دلالة الخلع وإيحاءاتِه، والاستفادة من تقنية التكرار، حيث تقول القصة التي جاءت في عشرين كلمةٍ: خلعَ ماضيَه فشجّعته زوجتُه، خلعَ أحلامَه فشجعته زوجتُه. خلعَ مبادئَه فشجّعته زوجتُه. خلعَ أهلَه وأصدقاءَه ففرحت زوجتُه وشجعته، ولكنها حزنت وثارت عندما قرر أن يخلعها.
إن الأنوثة هي الجانب اللاواعي من الرجل، فيما الذكورة هي الجانب اللاوعي من المرأة . أنها لعبة حضورٍ وغيابٍ في منتهى المخاتلة والتعقيد، على إن الوعي ليس هو الشخصية كلها، إن وعينا تصبغه ثقافتنا وموروثنا وبيئتنا، وقد كانت ثقافة المرأة والرجل في القصة ثقافةً استهلاكيةً، لا ترتكز على أيّ أساس قويم من ثقافتنا العربية الإسلامية، لذلك اختفى الوعي، وتضخّم الرجل الذي لا يعترف بالندية، ولا بمفهوم الشراكة في الحياة بعيداً عن هيمنته وتسلّطه على المرأة وتلبّسه لبوس الفحولة، واستعمالِ حقّه الشرعي في غير موضعه، وبما لا يرضى به الشرع، فكانت المرأة هي الطرف الأضعف في ميزان الذكورة/ الأنوثة، وكان التهميش والخلع والإقصاء، والعودة إلى ثقافةٍ ظلّت مهيمنةً لعدّة قرون من التقاليد والاضطهاد والتشويه والتجاهل.
لقد كرّرت الكاتبة كلمة (الخلع) خمس مرات، أي أنها شغلت ربع القصة، فإذا علمنا أن مفردة (الخلع) تنطوي على بعدٍ أنثوي مصيري، يقلق المرأة، ويقضّ مضجعها، ويجعل شخصيتها مستلبةً عاجزةً ضعيفة الإرادة أمام قسوة الشروط السائدة، فإننا نلحظ حسن استخدامِ الكاتبة الأسلوبَ المعبّر عن حالتها النفسية،كاستخدام تقنية التكرار، الذي يُعدّ لوناً من ألوان تجديد السرد، وتلويناً فنياً أضفى على القصة القصيرة جداً حليةً إيقاعيةً، ودلاليةً موحيةً، وذلك بسبب ما يمتلكه فعل الخلع من طاقةٍ تعبيريةٍ، وشحناتٍ انفعاليةٍ نفسيةٍ، عملت على إغناء القصة، ورفعَت من مكانتها الفنية. نظراً لتأدية الخلعِ فعلَ الارتباط العضوي في السياق، الذي يخدم المفارقة، والمفارقةُ عنصرٌ جوهريٌّ، تمحورت حوله تقنية تفريغ الذروة، وصدمِ المتلقي بما لا يتوقّع. وهنا- في المفارقة- تقترب القصة القصيرة جدّاً حدّ الطرفة والنادرة، لأن المفارقة تشكّل عنصر التشويق الآسر الذي يميّز القصة الناجحة من غيرها، ويحقّق المتعة والارتياح في نفس المتلقي.
وبكلمةٍ موجزة، فقد اشتغلت القصص على موضوعاتٍ حيويةٍ تحمل طزاجة زمنها، كقضية المرأة، التي تُظهر خصوصية الكتابة الأنثوية في الاحتفاء بخصوصية الذات على نحوٍ من تجربتها الوجودية، التي تعكس وضعاً اجتماعياً وتاريخياً وإنسانياً مختلاً، نتيجةً للقهر والتسلّط اللذين يمارسهما عليها المجتمع الذكوري، بصورةٍ تجعلها تشعر بالضعف والدونية والاستلاب، وقد حاولت الكاتبة أن تمازج بين ما هو ذاتي وأنثوي في بنيةٍ سرديةٍ ومشهديةٍ حساسةٍ، تعبّر عن قسوة التجربة التي تعيشها المرأة، وعن معنى طغيان السائد في القيم الاجتماعية، والذي يُبقي وضع المرأة المستلبة على حاله. ولكن الطريف في نظرة الكاتبة للعلاقة بين الذكورة والأنوثة، أنها تلقي اللوم في بعض القصص على الرجل تارةً، وعلى المرأة تارةً أخرى، وقد تدين الطرفين الذين يشاركان في تأزيم العلاقة بينهما.
اتّسمت القصص بتكثيفٍ شديدٍ، تمرّد على الشكل التقليدي المعروف، أي كسر البناء الدرامي الأرسطي، المستند إلى المقدّمة، والعرض، والخاتمة. وهذا التمرد ليس عادياً، بمعنى أننا أمام كاتبةٍ متمكّنةٍ من الفن القصصيّ، متمرّسةٍ في صياغة عوالم قصصيةٍ تجريبية، تشدّ إليها المتلقي... ليقينها بأن القصة الومضة، هي فن الحذف، والترميز، والتكثيف، وحضور النهاية القوية المركزة، والتضمين، والمفارقة والإيحاء، مع اعتماد لغة تلغرافيةٍ جميلةٍ اختارتها الكاتبة بعنايةٍ تذكّرنا بقول "أحلام مستغانمي" في رواية "فوضى الحواسب: ايحدث للغة أن تكون أجمل منا، بل نحن نتجمّل بالكلمات، نختارها كما نختار ثيابنا، حسب مزاجنا ونوايانا.
- مصطفى الخاني ضيف الحلقة السابعة والعشرين من " مساكم باسم "
- استطلاع سوري: باب الحارة في المؤخرة وتقدم لعنة الطين وضيعة ضايعة
- برامج القناة الثانية في التلفزيون السوري وأفراح العيد السعيد
- سيريا بوست تلتقي المطربة اللبنانية مادلين مطر
- رنا الحريري : بريئة من مسلسل صبايا.. والمخرج لم يكن أمينا ً على النص



del.icio.us
Digg
التعليقات (15 تعليق):
ماما سها بج%D
أكبر تحية سلام إلى أروع أنسانة القاصة و الكاتبة و الباحثة : سها شريف
نقد رائع و تحية لمحمد قرانية على هذا النقد البناء
و هذه الإيضاحات عن الأديبة سها و عن
ق ق ج
و تحية ثانية إلى الباحثة سها شريف
لتربيتها العظيمة آية أرسلان
بارك الله بك و بإبنتك
إنشاء الله تشرفونا بمصر
و ما أجمل الأدب الملتزم و رسالة الأديب السامية
فكانت تلقي حينا اللوم على المرأة وحيناً على الرجل وحيناً عليهما معاً بفشل الحياة بينهما . وهذا يدل على صدقها وسعة رؤيتها وثقافتها الواسعة . شكراً لها . وتحية تليق بناقد كبير الأستاذ محمد قرانيا . بارك الله به وبقلمه
حياك الله أيتها السيدة الرقيقة .. وكتب الله الصحة والعافية لوالدك الكريم .
تحيتي الغير محدودة لألقك .
إضف تعليقك