إلى الرجل الذي يكتب له الورد أوراقاً.. وأقرأ أنا..
صباحاً خيّراً.. يشرق بالمودّة والجمال.. ألتمس عذرك لأبدأ القراءة..
منذ عشرين عاماً – تماماً - وأنا أمتهن الكتابة على كلّ أوراق الورد، أجمعها لديّ حيث المكتب لا طاولة.. والمنزل لا شرفة.. والمؤسّسة لا رئيس تحرير.. حروفاً لا تصلح للزينة، ولا يرغب بقراءتها الجميع، فهي لا تصلح إلا لأبهى حالات العشق الخرافية..
وقرّائي بالإجماع – أخيّة غالية وصغيرة على كلّ الهموم – أدمنتْ سماعي من جملة قوافل المفروضات على سعة صدرها، والرهان على مقدرتها الشديدة على التحمّل..
لكنني للمرة الأولى أراني قارئةً خارجة على قوانين الكتابة، فليس لدينا اتحاد للقراء كما تعلم، ومن أروقة القراءة من الصعب العبور لدينا إلى حيث يلتمّ شمل أولئك الذين لا يخرجون على طقوس أمزجتهم..
أعتدلُ في جلستي.. تقربُ الوقوف استعداداً في حضرة كل إشراقات الزمن العربي امتدت من «كليب وائل» إلى آخر ظل لفارسٍ ننتظر مرور فرسه يعبر كالبرق مخترقاً هبوب كل جنون الريح البحرية، هناك عند شطآن تغتسل بالزبد في أعلى أعلى مرتسمٍ على الخارطة من حيث وُلد أهلي.. هناك أُجزم أن الورد في غفلة من كل العسكر، عند المخفر الحدودي العتيق كان يكتب بألوانه كل هذه الرسائل المُضمّخة لك، لعينيك فقط، لك وحدك أيها السيد..
صباح الشذى.. مع احترام الورد لكل علاقاتك غير المعلنة بأنواع الخُزامى ما برحتْ تُعطّر كل ركن في حياتك، وتزرع الفل والحبق مساكباً في كل الشرُفات الصغيرة لنوافذ بيتك الجميل، فرشته الألفة بأنواع أزهار العصافير، وأفواه الأسماك الصغيرة تضيء بمهرجان ألوانها كل ركن لك في احتفالية للون لا حدود لأبعادها.. وتغفو كلّها تحلم أنْ تليق – بمقدمك - بخطرتكَ فوق ذاك الأديم الخيّر المجبول بالحنّاء، ليعرّش الشذى على ساقيك، ويعلو ويعلو على كل امتداد قامات أوراق الورد..
وفي حضرتك.. في ظل كل هذه المهابة السّيف، أقرأ ما كتب لك الورد..
لعينيك.. أيها السيد.. أيها الأجمل والأبهى، يا قامةً تلامس بكتفيها الفلك البعيد، وتعتمر النور بهياً، يتخطى الشمس مركبةً، والقمر سمير العشية في رحلة عشق غير مسبوقة..
منذ عشرين من السنوات.. تقرّتك أناملي المخضوبة بالقهر زمناً، وبأطراف الروح ملتاعةً تلمَّسَتْ كل حنية وكل وهدة.. كل رابية وكل جدول غنّتك ألواني نشيد حبٍّ لم أتعرّفه من قبل، وعزفتْكَ الروح معلّقةً على أستار كلّ عتبة لك، تباركَتْ باسمك «كريماً» يشخص بالبصيرة نحو «الأكرم» في فيض للروح تنساب على كل جنبات القامة الرمح في زهو النخيل، وشموخ السرو، ورسوخ السنديان عتيقاً يحتضنُ مقامات العشق الإلهي في امتلاء الروح بك مخلوقاً في صورة الخالق..
إليك.. في كل شموخك واتضاع غنى رياضك امتلأت بالفيء والجنى.. وأسأل: أين أنت؟؟.. أين أنت يا سيدي، وأنا أعيش امتلاءك.. أين أنت تمتلك بي أنايَ منذ فيض من الأيام لا أعرف مداه ولا عمره، أين أنتَ؟؟ وتطفح روحي بك عشقاً أبيداً موجعاً حدّ البكاء.. هل رأيتَ مدامع الجوري يوماً يا سيدي؟ كما هي كما الوجيب أمتلئ بك..
يا همّ القيل وهمّ القال.. أين أنت؟ عذراً يا سيدي، فما اعتدتُ أنا المسكونة بك أن أبحث عنك.. ما اعتدت أن أتنسّم هذا الفضاء خلا من صهيل عطرك.. لماذا ملأتني بك منذ هذا الرّدح؟ لماذا استثنيتني من ملء قضاياي وهمّي؟؟ وكنتُ سأعلنك انعتاقي وأركض خلف ريحك، أتحرّر من كل أثقالي، أنسحب من همومي، أتسلّل خارج أسوار سجون قهري.. أهرع إلى فرحي القادم، الهارب إلى حضنك الكبير الكبير..
فكيف غدوتَ بي همّي وقلقي وخوفي، خوفي الذي لا قرار له.. كيف علّمتني أنّ الوصول إلى الصباح فوق جبهة قمّتك الأعلى، أرقى إليه علوّاً فوق أكداسٍ من أوراق لا حصر لها، ذُيّلتْ بأختام وتواقيع تحمل ملامح كل دوائر العقارات ما امتدّتْ مساحاتها فوق كل أرضٍ لك، ومنذ مطلع كل العصور.. وكيف ختمْتَ فوق ركام همومي الموروثة: «تُحوَّلُ كلّها إلى الهمّ العام» يا همّي الأوحد، كيف لي أن أستريح في خمائل عينيك جزراً للطمأنينة والرضا؟ لا تنأى بظلّك عن متاعبي، وهي بك ومنك.. لا تبعد بي بعيداً، ولا تدعني أبحث في غربتي بك عنك، كل أنواع الهروب في الدنيا لا تعنيني، وليست تستهويني إغراءاتُها، كلّ إغراءاتِها ما دمْتَ تعترف أنك ما تزال وطني.. وأنك هويّتي، وفي ملء قامتك أُقيم، وأنّني كل صباح من بين الجفنين أفتح النوافذ شديدَتَي الروعة للورد، وأتلقّى بريدك الخاص، وأقرأ لك كل رسائله.. لعينيك يرسم بالأحمر القاني كلّ إبداعاته، وقبل أن تصحو العصافير يدوّن في صفحته الوردية:
شكراً للسماء لأنّك في حياتنا، ولأنّنا في ظلّك الكبير الكبير تعلّمنا كيف يغدو الوطن أجمل حالة عشق في حياتنا..
شكراً لأنّك تحمّلْتَ كل بلاهاتنا وأغضيتَ الطرفَ عن كل حماقاتنا، وتغاضيت عن كل أخطائنا، وغفرْتَ كل خطايانا، ووقّعتَ على آخر ورقةٍ للورد في كل حدائقنا: «لقد غُفِرَ لها كثيراً لأنّها أحبّتْ كثيراً»..
يا سيدي ألف عذرٍ لعينيك، فأنا ما أزال أخاف.. وخوفي عليك يسكنني، وعلى قَدْرِ هذا الحبّ يتربّصُ بي هلعي.. في النهاية:
«بتتلُج الدّني.. بتْشمِّس الدّني.. وتا تخلَص الدّني..» أحبُّكَ أيها الرّجل السيد.. يا وطني..
الرأي ـ د . نزهة إلياس
- الفنان المثير للجدل " قيس الشيخ نجيب " ضيف مساكم باسم
- أمل حجازي لسيريا بوست : الإعلام السوري التلفزيوني أكثر التزاماً والإعلام الالكتروني أكثر شبابا وانفتاحاً
- الخارطة البرامجية للفضائية السورية في العيد
- القناة الأولى في العيد تنوع وتجديد
- تلفزيون الأورينت يطلق أول نشراته الإخبارية منتصف أيلول الحالي



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 تعليق):
إضف تعليقك