مؤتمر أنابوليس ماذا قبله... ماذا سوف يلي؟
ابتدع الأميركان جديدا غير مسبوق في تاريخ الديبلوماسية بدعوتهم إلى انعقاد مؤتمر أنابوليس، اجترحوا ضربا من المبادرة لا يبادر، ونوعا من المفاوضات بلا تفاوض، وصنفا من المؤتمرات الدولية لا «ائتمار» فيه ولا من «يأتمرون». مسعى لا ينشد الجدوى. فعلاً يستنفد غرضه في مجرد حصوله. منقطعا عن سياق وغير شاخص إلى غاية (تلك التي تقدَّم على أنها «السبب الأخير» للانعقاد). هو انفصام الشكل عن المضمون وقد بلغ أوجه ومداه الأقصى، خُلفا وعبثاً.
ربما كان مؤتمر أنابوليس، بهذا المعنى، المثال الناجز على «ديبلوماسية الصورة»، في هذا الزمن التلفزيوني البائس، تنشد تأثيرا في أذهان تَفتَرض لا فعلا في واقع ماثل، تحيل أطراف النزاع من ضالعين في دراما تاريخية إلى شخوصِ «سوب أوبرا» منمّطة، كتلك التي تتابعها رباب البيوت على شاشات التلفزيون في فترات الظهيرة: هناك الراعي الخيّر (الولايات المتحدة)، والبطل الطيب (إسرائيل)، والضحية شبه العرضية، كما بفعل سوء تفاهم مؤسف (محمود عباس وسلطته الوطنية)، ثم الأشرار، وهؤلاء خارج صورة الوئام تلك، يتظاهرون في غزة... وفي أثناء ذلك أو في مفتتحه أو في منتهاه، مشهد المصافحة، ذروة الدراما ولحظتها الانفعالية القصوى.
قد لا يكون هذا التوصيف كاريكاتوريا، إلا بقدر كاريكاتورية «ثقافة» العصر. أو ربما كان مؤتمر أنابوليس، والصورة التي انعقد بها وانفضّ، محصلة حتمية لامتناعيْن ولاستحالة: امتناع الولايات المتحدة عن الضغط من أجل التوصل إلى حل مع إصرارها على الاضطلاع بدور الراعي والانفراد به، وامتناع الدولة العبرية عن جوهر التسوية مع إقبالها على ظاهرها، واستحالة الفعل الضاغط وتعذره، من قبل الفلسطينيين، ومن ورائهم العرب، لأن ميزان القوة منخرم، لغير صالحهم، أكثر من أي وقت مضى.
لكل ذلك، إذا ما قيس مؤتمر أنابوليس بمعيار أهدافه أو ذرائعه المعلنة، بدا مبادرة مجانية وغير مبررة... وذلك بطبيعة الحال استنتاج لا يمكن الركون إليه. فالإمبراطوريات، حتى وإن كان على رأسها رجل مثل جورج بوش (وما يُنسب إليه من غباء ومن جهل ومن نزوع إلى الارتجال)، تستند إلى منطق ما في ما تفعل وما لا تفعل، أو ربما كان من الأجدى افتراض ذلك على أية حال.
من هنا، واستنادا إلى ذلك، ربما أمكننا الاحتفاظ بكل الملاحظات السابقة، بل الاستزادة منها، إذا ما نظرنا إلى المؤتمر في بعده الإسرائيلي-الفلسطيني، وهو بعده المعلن. إذ أنه لم يحقق في هذا الصدد «اختراقا» وما كان من شأنه أن يفعل. أما إذا ما نظر إليه من زاوية أوسع، إقليمية أو عربية، فلا غرو في أن المؤتمر شكّل جديدا أو كرسه، هو ذلك المتمثل في ذواء آخر ما كان متبقيا من «ممانعة» عربية، أقله تلك الرسمية.
تبدى ذلك على نحو خاص، ودراماتيكي ربما، في قرار سوريا حضور أنابوليس (وإن بتمثيل متدنّ) غير مشترطة في ذلك سوى الحد الأدنى: إدراج مشكلة الجولان المحتل ضمن «جدول أعمال» مؤتمر لم تكن له من «أعمال» أصلا ولم يتسع لتفاوض.
غير أن هذا التحرك السوري، لا يخفي مباركة عربية شاملة أو تكاد للمؤتمر، حضورا في الغالب وتزكية عموما، تفصح عن تخل، ضمني غير صريح ولكنه بليغ، عن شرط كان أساس الموقف العربي من التسوية: تساوق الانفتاح العربي على إسرائيل مع مسار حصول الفلسطينيين على حقوقهم الوطنية، يتقدم بتقدمه أو ينتكس بانتكاسه. وهو المسلك الذي التزمت به الدول العربية عموما، سواء تلك التي أقدمت على شكل من أشكال التواصل مع الدولة العبرية (من خلال فتح مكاتب اتصال أو ما شابه) أو تلك التي أحجمت عن ذلك وامتنعت، فلم تُستثن من ذلك غير الدولتين اللتين وقعتا اتفاقات سلام مع إسرائيل، أي مصر والأردن.
ذلك المسلك الذي كان قائما على مباركة إقدام الفلسطينيين على التفاوض، أو عدم الاعتراض عليه على الأقل، مع دعمه بالتحفظ، من خارجه ودون الضلوع العلني فيه، يبدو أنه قد آل إلى نهايته في أنابوليس، بحيث تم الفصل، من الجانب العربي، بين الانفتاح على إسرائيل والتقدم في مسار التسوية، وما عاد هذا شرطا لذاك، وقد تم ذلك بمباركة فلسطينية بل نزولا عند رغبة فلسطينية، طالما أن ديبلوماسية الرئيس محمود عباس كان لها الدور الفاعل في حض الدول العربية على حضور أنابوليس.
وسواء عُدّ هذا التوجه الجديد (... الجديد على الأقل من حيث إعلانه وتبنيه رسميا) نزوعا نحو «التطبيع» أو «هرولة» أو ما إلى ذلك من مفردات الهجاء العربي، فإنه يعني من الناحية العملية تجميد المشكلة الفلسطينية أو تحييد مفاعيلها، في بعدها الإقليمي أو «القومي» أو الشرق أوسطي، بحيث تنحصر في بعدها الثنائي، الفلسطيني-الإسرائيلي، فلا تصادر على علاقات دول الإقليم في ما بينها، بما في ذلك الدولة العبرية، وعلاقات هذه الأخيرة بالحليف الأميركي.
لن يعني ذلك، بالضرورة، عدم الاكتراث بالفلسطينيين وبقضيتهم، ولكن إعادة موضعة هذه الأخيرة على نحو ينزع عنها مركزيتها التقليدية، أو، على الأصح، يوائم بين الوعي والواقع في هذا الصدد، طالما أن المركزية تلك ما انفكت إلى تآكل تدريجي منذ عقود طويلة. أخْذ علم بواقع الشرق الأوسط الجديد، الذي تعددت مخاطره واختلفت ترتيبا، خصوصا مع بروز العامل الإيراني، في بعديه النووي والمذهبي، يرسيان خط انقسام جديد على صعيد المنطقة، ويفرضان اصطفافات غير تلك التي كانت قائمة من قبل، قد تضفي قدرا من نسبية على «العدو الإسرائيلي»، أو قد تجعله عدوا بين أعداء في أقصى الحالات، أو ربما حليفا يُستعان بردعه النووي في إرساء توازن جديد، وليس العدو المطلق أو «الوجودي».
ربما كان أنابوليس التعبير الأجلى عن هذا التحول، دون أن يكون مجترحه ولا صانعه بطبيعة الحال، يكلل مسارا، ويمنحه لحظة تأسيسه الرسمية (وهذه غير لحظة التأسيس الفعلية)، خصوصا أن المؤتمر ربما آذن بانضمام سورية إلى «معسكر الاعتدال»، مع ما قد يكون لذلك الانضمام، إن تأكد، من تبعات بعيدة الغور على أكثر من صعيد...



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 تعليق):
إضف تعليقك