أخبار سورية .. سيريا بوست .. سوريا بوست: دولة حلب ....و نوابها..... بقلم المحامي علاء السيد دولة حلب ....و نوابها..... بقلم المحامي علاء السيد ================================================================================ المحامي علاء السيد on 20 November, 2007 05:17:00 في عام 1919 منذ حوالي التسعين عاما بدأت الحياة النيابية في سوريا، و كانت أول انتخابات لما سمي وقتها (المؤتمر السوري) ..هذه الانتخابات جرت عندما خرجت البلاد من الحكم العثماني ..و من عصور الظلام كما قيل لنا في المدارس ، عصور الجهل و الأمية و الفقر و مذابح جمال باشا السفاح . فمن كان المرشحين وليدي هذه الظروف القاسية ، ترشح حينها عن حلب مجموعة من الوجهاء منهم إبراهيم هنانو و المحامي سعد الله الجابري و الدكتور الطبيب عبد الرحمن كيالي و الدكتور الطبيب حسن إبراهيم باشا الملقب ( أبونا حسن بيك ) ، و عن باقي المدن السورية هاشم الاتاسي و شكري القوتلي و جميل مردم بيك . و هؤلاء جميعا كانوا ممن يحملون الشهادات العلمية العليا من جامعات الأستانة ( استانبول ) ، و قد تسلموا فيما بعد مقاليد السياسة في سورية . و سوف أقوم باستعراض شخصيات هؤلاء النواب و الدور الذي لعبوه في مجلس النواب و في استقلال سورية ، من خلال سيرة النائب الأهم ، و زعيم حلب بلا منازع ، وفقا للتاريخ ، الزعيم إبراهيم هنانو : فاز إبراهيم هنانو في الانتخابات ، و انتُخب عضواً في المؤتمر السوري ، و كان حينها في الخمسين من العمر ، و عقـد المؤتمر أولى جلساته في صيف عام 1919 ، و اصبح هنانو أحد الممثّلين الستة عشر الذين مثّلوا محافظة حلب في المؤتمر. و تعين هنانو بعد المؤتمر رئيسا لغرفة الحاكم العام في حلب ، و قد أدرك أن الفرنسيين يعملون للقضاء على استقلال سوريا ، و إن صيغة الانتداب هي صيغة احتلال ، فما كان منه عندما توجهت القوات الفرنسية تجاه حلب ، إلا أن اجتمع بالوطنيين من حلب و ادلب و كفرتخاريم و حارم وجسر الشغور ومعرّة النعمان ، وبعض مناطق الساحل السوري، وحدّثهم بنيته إعلان الثورة على الفرنسيين الذين كانوا يحتلون وقتئذ المنطقة الغربية من سوريا، أي الساحل الممتد من رأس الناقورة إلى خليج الإسكندرونة. و بنيته التعاون مع الزعيم التركي الشاب مصطفى كمال (أتاتورك) في محاربة الفرنسيين، مستغلا الخلاف الشديد بين الأتراك و الفرنسيين، بعد الوعد الذي أعطاه الفرنسيون بأن يجعلوا منطقة كيليكيا وطناً قومياً للأرمن ، مما أثار حفيظة الأتراك ، و أكد لهم أن القائد التركي الشاب سيزوّده بكل ما يحتاج إليه من أسلحة وأعتده و ذخائر. ومن أشهر أفعال هنانو أنه جمع أثاث بيته وآلاته الزراعية وأحرقها معلناً بذلك بداية الثورة، و ضاربا المثل بأن المجاهد يتخلى عن جميع أملاكه في سبيل الثورة . وشرع هنانو بجمع الرجال، وتدرّيببهم على القتال، وعندما بلغ عدد المجاهدين أربعين مجاهداً ، شعر هنانو بضرورة المال لتمويل الثورة ، فشكل لجنة ، لجمع التبرعات والأموال ، كان ذلك في عام 1920 قبل أن يدخل غورو دمشق بعام تقريباً ، و قبل أن تقوم أية ثورة عدا ثورته على الفرنسيين . ثم أعلن الفرنسيون قيام دولة حلب في أيلول عام 1920، كجزء من اتحاد الدول السورية ، و كان مركز الاتحاد بداية في حلب ، ثم نقل إلى دمشق ، و كان الحاكم الصوري لدولة حلب القاضي مصطفى برمدا رئيس محكمة التمييز و هو من ملاّك حارم ، و كان لدولة حلب مجلس نيابي صوري اغلب أعضاءه موالين للفرنسيين ، و منهم غالب إبراهيم باشا رئيس البلدية ، و سليم جنبرت رئيس غرفة التجارة في حينها ، و المحامي ميشيل جنادري و غيرهم . استمر هنانو مع المجاهدين بالثورة لمدة ثلاثة سنين ، فقد خلالها ابنه طارق ، الذي خرج في مظاهرة ضد الفرنسيين في حلب، فضُرب على رأسه ، و أصيب بعينه، و بارتجاج في دماغه، أفقده قواه العقلية ، فأُدخل في مشفى الأمراض العقلية ببيروت. و فقد هنانو جميع أمواله ، و أصيب بالسل ، بعد الليالي التي أمضاها بالعراء مع قلة الغذاء . و كان الحلبيون الوطنيون يؤازرونه ويمدّونه بالمال والسلاح والرجال : و منهم الحاج فاتح المرعشي ملاّك الأراضي الذي تكفل بتقديم النفقات لحملة كاملة من المجاهدين ، مع إعاشة عائلات المجاهدين طيلة فترة غيابهم في الجهاد ...و قد نُفي هذا الرجل بعدها و لعدة سنوات الى تركيا ، والشيخ طاهر الرفاعي ، والشيخ رضا الرفاعي، والحاج نجيب باقي صاحب وكالات الآلات الزراعية و رئيس جمعية الأيتام الإسلامية ، و عبد الوهاب ميسر التاجر في خان الحرير و من مالكي الأراضي ، و محمد و أخيه احمد خليل المدرس من ملاّك الأراضي ، و نوري بك الجابري ، و الحاج سامي صايم الدهر رئيس غرفة الصناعة و صاحب معامل النسيج ، و محمد سعيد الزعيم الذي تسلم رئيس غرفة التجارة بحلب و وزير المالية لاحقا ، و الحاج مصطفى شبارق ، و الحاج احمد الأسود ، و الحاج سعيد صباغ من أصحاب معامل النسيج ، و الحاج ربيع المنقاري من زعماء الأحياء ، و من الأخوة النصارى السادة ميشيل صايغ صاحب معمل النسيج ، و جرجي جبرا خوام و الملقب ( أبو جبرا قطوش ) و هو من أهم زعماء النصارى في حي الحميدية و السليمانية و ما زال على قيد الحياة ، و جورج عسال ، و فرج الله هب الريح ، و عبد الكريم فشخ و زعيم حي الجديدة و يعمل بائع فحم في ساحة الحطب بالجديدة . وتوالت المعارك حتى خاضت هذه الثورة (127) معركة، وبلغ عدد المجاهدين فيها (377) مجاهداً، استشهد منهم (218) شهيداً. و لكن يد الغدر امتدت إلى هنانو ، فعندما سقطت مدينة مرسين بأيدي الأتراك، اضطرت فرنسا إلى التخلّي عن كيليكيا التي وعدت الأرمنَ بها، و أجاز الفرنسيين لكمال أتاتورك مهاجمة اليونانيين في أزمير ، و ابرموا معه معاهدة سرية ، ضمن بنودها إيقاف الدعم لثورة هنانو . ومن ثَم لم يعد مصطفى كمال بحاجة إلى معونة هنانو، فقطع عنه المدد إرضاءً لفرنسا، وسحب ضباطه الأتراك من صفوف الثورة. و في ربيع عام 1921 سارت حملة مؤلفة خمسة عشر ألف جندي على محاور ثلاث ، للقضاء على الثوار ، و حاول الثوار صدهم مع نفاذ ذخيرتهم و قلة عددهم ، أمام هذه الأعداد الكبيرة من الجنود الفرنسيين ، و التي استطاعت في النهاية تشتيتهم ، و دخول كفر تخاريم معقل الثوار ، بعدما قصفتها بالطائرات ، و فر المجاهدون بعدما استشهد منهم الكثير . و وجد هنانو أنه بقي وحده في الميدان، وأدرك أن المقاومة لم تعد تجدي نفعاً، فغادر سوريا عن طريق السلمية ، مع ستة و خمسين ممن بقوا من المجاهدين ، و وقع في كمين فرنسي قرب السلمية ، و تشتت الثوار و تابع هربه وحيدا قاصداً مدينة عمّان عاصمة شرقي الأردنّ التي لم تكن خاضعة للفرنسيين ، فبلغها بعد رحلة شاقة، واستقر فيها بعض الوقت. و في النهاية استطاع الفرنسيين اعتقـال هنـانو ..بعدما سلمه الانكليز لهم عندما كان في فلسطين . وفي صيف عام (1921 م) أُودِع هنـانو السجن العسكري بخان إستانبول في حلب ، و تولى الدفاع عنه المحامي الشاب ابن ثمان و عشرين ربيعا ، فتح الله صقال ، و هو من الأخوة النصارى ، و قرر بناء دفاعه على أن وقائع الثورة لا تبرر اعتبار هنانو مجرماً عادياً، أو مجرماً سياسياً، بل تجعله مقاتلاً في سبيل وطنه ، و كان القضاة خمسة ضباط فرنسيين ،و طالب النائب العام الفرنسي المحكمة بإعدام هنانو قائلا : لو كان لإبراهيم هنانو سبعة رؤوس ، لطلبت إعدام رؤوسه السبعة، و استمرت المحكمة سبعة أيام ، و في النهاية و بعد مداولة بين القضاة استمرت لساعتين ، أعلن الرئيس براءة هنانو ، بأكثرية ثلاثة أصوات ضد صوتين، و دوّت قاعة المحكمة بالتصفيق الحاد، وسرت الهتافات كالتيار الكهربائي في أرجاء دار العدل وفي الشوارع المجاورة مردّدة: فليحيا العدل! فليحيا هنانو! فليحيا الأستاذ الصقّال!. وما هي إلا دقائق معدودة حتى أُطلق سراح البطل. وكان على باب السجن عربة يجرها حصانان، وما إن ركبها هنانو و وكيله الأستاذ الصقّال، حتى تدفقت الجماهير كالسيل، فحلّت أربطة الحصانين، وراحت تجرّ العربة بدلاً منهما حتى وصلت إلى دار هنانو، وكانت في أحد أزقة (باب جِنَين)، وكانت النساء يزغردن على طول الطريق من السجن إلى الدار، وكانت المئات منهن واقفات على أسطحه البيوت يمطرن العربة بماء الزهر وعطر الورد. ومنذ ذلك الحين أحرز هنانو سمعة طيبة وشهرة ذائعة، وأصبح اسمه على كل شفة ولسان، وصار في عداد الزعماء الوطنيين الذين سجّل التاريخ أسماءهم ومواقفهم بمداد الإكبار والإعجاب، فإذا ذُكر سعد زغلول في مصر، وعمر المختار في ليبيا، والأمير عبد القادر الجزائري في الجزائر، ذُكر إبراهيم هنانو في سوريا، لأنه ضحّى كثيراً في سبيلها ؛ ضحّى بماله وصحته، و بابنه طارق، وبعدد من أفراد عائلته الآخرين. في عام 1924 أعلنت فرنسا عن قيام دولة سوريا ، المؤلفة من دولة حلب و دولة دمشق ، و إبقاء دولة اللاذقية مستقلة . و عينت رئيسا لدولة سوريا صبحي بيك بركات الخالدي ، و هو من وجهاء إنطاكية المقيمين في حلب . و كان صبحي بركات من الثوار على فرنسا في البداية كهنانو ، و تصالح مع الفرنسيين لقاء توحيد دول سوريا ، و تعيينه رئيسا عليها ، و كان من الأعداء التاريخيين للزعيم هنانو ، و قد عرف عنه نظافة اليد . و في عام 1925 : قامت الثورة السورية الكبرى التي بدأت في جبل الدروز بقيادة سلطان باشا الأطرش ، و امتدت إلى دمشق و حمص و حماه ، و لم تشارك حلب في الثورة . و استقال صبحي بركات من الرئاسة بعد قيام الثورة ، موجها كتاب استقالة للفرنسيين فيه الكثير من المطالب الوطنية ، كإلغاء الانتداب و ضم حكومة اللاذقية و جبل الدروز لدولة سوريا ، و غيرها من مطالب وطنية . و عين الفرنسيين حكومة جديدة ، ضمت بعض الوزراء الوطنيين ، و عندما طلب الفرنسيون من الحكومة الموافقة على قصف دمشق بالقنابل لوأد الثورة ، رفض الوزراء الوطنيين هذا الطلب ، فما لبثت فرنسا أن أقالتهم ، و نفتهم إلى الحسكة و من ثم إلى لبنان و لمدة عامين ، مع سعد الله الجابري الزعيم الوطني الصاعد ، و الذي ترشح بعدها كنائب عن حلب ، و استلم منصب رئيس وزراء سوريا لاحقا ، و الذي أمضى حياته عازبا لم يتزوج . و استبدلوهم بوزراء آخرين ، و منهم شكيب الميسر و رشيد بك المدرس من حلب . و في عام 1926 : خاف الفرنسيون من امتداد الثورة السورية الكبرى إلى حلب ، فأعلنوا على سبيل التهديد ، أنهم سيجرون انتخابات نيابية محلية بحلب ، لتشكيل مجلس نيابي حلبي فقط ، و لكي ينظر هذا المجلس في إعلان انفصال دولة حلب عن دولة سوريا . و قرر الوطنيون مقاطعة الانتخابات ، و أصدروا بيانا موقعا من إبراهيم هنانو و سعد الله الجابري و د عبد الرحمن كيالي و الحاج ربيع منقاري و الحاج نجيب باقي و احمد الرفاعي و جميل إبراهيم باشا ، طالبين مقاطعة الانتخابات. و ترشح لهذا المجلس النيابي المحامي عبد الرحمن جوبي ، و الشيخ أبو الهدى الصيادي نقيب الأشراف ، و غالب بك إبراهيم باشا و شاكر بك نعمت الشعباني و صبحي بك بركات . و راجع الوطنيين البعض لسحب ترشيحهم ، فلم ينسحب منهم إلا المحامي عبد الرحمن جوبي . و قاطع الناس الانتخابات ، و قامت المظاهرات أمام دار الحكومة ( السرايا جانب القصر العدلي حاليا ) و كان والي حلب مرعي باشا الملاح ، و أطلق الفرنسيون النار من القلعة على المتظاهرين فسقط حوالي التسعين قتيلا ، و استقال الملاح ، و تم تعيين نبيه المارتيني بديلا عنه ، و أمرت السلطات الفرنسية بتوقيف زعماء الوطنيين و حبسهم في السراي القديمة، و قبض على سعد الله الجابري و د عبد الرحمن كيالي و مجموعة من رفاقه بلغوا تسعة و أربعين شخصا . ثم نقل سعد الله الجابري ، و بعض رفاقه إلى جزيرة أرواد . و تمت الانتخابات و اخرج الفرنسيون نتيجة الانتخابات بفوز صبحي بركات و شاكر نعمت الشعباني و سليم بك جنبرت رئيس غرفة التجارة ، و غالب إبراهيم باشا رئيس البلدية من حلب ، و نوري الاصفري من ادلب . و كان الفرنسيون يبحثون عن هنانو خشية أن يقوم بثورة جديدة . و بعد أربعين يوما أفرج عن الموقوفين ، و تمت الدعوة لعقد مجلس النواب لإعلان قيام دولة حلب و اسكندرونة . و قام هنانو بإقناع النواب المعادين له مستعملا الترغيب و الترهيب لحملهم على عدم التصويت ، و أوقف عربته أمام مجلس النواب في موقع المتحف القديم بحلب ، قبل انعقاد الجلسة ليراه النواب الداخلون ، و فعلا و بشكل مفاجئ ، رفض النواب الذين عرف عنهم موالاة الفرنسيين ، قرار الانفصال ، و غادروا القاعة ، و افشل الوطنيين مخطط الانفصال و تقطيع أوصال دولة سورية . في عام 1928 : عين الفرنسيين الشيخ تاج الدين الحسيني رئيسا للحكومة ،و دامت هذه الحكومة أربع سنوات ، و دعا الفرنسيون لانتخاب أعضاء جمعية تأسيسية تضع دستوراً جديداً للبلاد، فأعلنت الكتلة الوطنية قائمتها ، و ترشح إبراهيم هنانو و سعد الله الجابري و احمد الرفاعي و د .عبد الرحمن كيالي و الشيخ عبد القادر سرميني و لطيف غنيمة و نقولا جانجي ، و عن الريف ترشح عارف الجزار و جميل إبراهيم باشا ، و فازوا جميعا . و ترشحت أمامهم قائمة الموالين لفرنسا، فلم ينجح منهم أحد، رغم الدعم الفرنسي الكبير لهم. و من طرائف هذه الانتخابات أن لطيف غنيمة و هو سكرتير نقيب المحامين بحلب لويس زيادة ، فاز على القاضي و المحامي المشهور نصري بخاش ، فقط لان غنيمة كان في قائمة هنانو ، و قد انقلب بعدها على هنانو ، و سار في ركاب الانتداب . و انُتخب هاشم بك الاتاسي رئيسا للجمعية التأسيسية ، و انتخب المجلس لجنة لوضع الدستور كان هنانو رئيسها ، و عندما تم وضع مشروع الدستور بشكل وطني ،. فطلب الفرنسيين حذف ستة بنود من الدستور الوطني ، و كلها تؤكد السيادة و تعارض الانتداب ، و قد وقع النواب الوطنيين عريضة يطالبون فيها أن يكون إبراهيم هنانو رئيسا للجمهورية ، و وقع بقية النواب عريضة مقابلة مطالبين فيها بان يثبت الشيخ تاج الدين الحسيني رئيسا للجمهورية ، فما كان من تاج الدين الحسيني إلا أن خطب في المجلس مؤيدا لطلب لفرنسيين بحذف هذه المواد ، و ما أن نزل من المنصة حتى وقف سعد الله الجابري ناعتا إياه علانية بالعمالة و الخيانة ، و عندما أدرك الفرنسيون أن هذا المجلس لا يحقق أمانيهم ، عطلوه لمدة ستة اشهر ،ثم قرروا حله . و انفرد رئيس الوزارة تاج الدين الحسيني بالحكم ، و أخذ ينفق على المشايخ لارضائهم من أموال الأوقاف ، و يوزع الوظائف على رجاله ، و يقيم المهرجانات التي تقدم له الشكر و الثناء ، و بالغ في البذخ ، فاقتنى السيارات الفخمة ، و يقال انه قد استبدل أربعة سيارات خلال أربعة سنين من حكمه ، أي أن رئيس الوزارة كان يبدل سيارته مرة في العام ، و اعتبر حينها مبذرا ،خائنا لأموال الشعب . و افرغ خزانة الدولة بسوء تدبيره و انفق ما يقدر بثمانمائة ألف ليرة ذهبية في ذلك الوقت هي احتياطي الدولة . و قد كان رد الشيخعلى هذه الاتهامات بأنه انفق هذه الأموال في إقامة المباني الحكومية في مختلف البلدان . و من المباني التي أنشئت زمن الشيخ تاج الدين ، قصر الحكومة في حلب ( السرايا جانب القصر العدلي ) الذي بني في ذلك العهد ، و مستشفى الرازي كذلك ، و اتهم الشيخ بسرقة المال العام عن طريق المتعهدين الذين بنوا هذه الأبنية . و عزل الشيخ تاج الدين القضاة النزيهين ، و عين رؤساء الشرطة من الفرنسيين بدل السوريين ، و أغلقت أية صحيفة معارضة ، و صدر قانونا جديدا اسمه قانون قمع الجرائم و هدفه التنكيل بالوطنيين و إلصاق التهم بهم ، و أمرت السلطات الفرنسية بتحويل الدعاوي ضد تجاوزات الدرك و الشرطة إلى المحاكم الفرنسية بعد أن يدفع المدعي مبلغا كبيرا كتأمين كي تقبل دعوته ، فلم يتجاسر احد على الشكوى ضد هؤلاء . ثم اصدر المفوض السامي الفرنسي عام 1930 ، الدستور السوري و اسماه النظام الأساسي ، كما اصدر دستورا للاسكندرونة و دستورا ثالثا للاذقية و رابعا لجبل الدروز . و أقالت فرنسا حكومة تاج الدين الحسيني، لتوهم السوريين أن كابوس الفساد قد زال، بعد أن استخدمت الشيخ تاج الدين لترويض الشعب. و طرحت حلا وسطا هو الوصول إلى حكومة وطنية عن طريق الانتخابات، و على أساس أن تتعاون هذه الحكومة مع فرنسا لايجاد الحلول السياسية . و كانت قائمة مرشحي الكتلة الوطنية مؤلفة من إبراهيم هنانو و سعد الله الجابري و د عبد الرحمن كيالي و عبد القادر السرميني و غيرهم ، و كانت القائمة المقابلة تضم صبحي بركات و شاكر نعمت الشعباني و غالب إبراهيم باشا و بسيم القدسي و سليم جنبرت و غيرهم . و قد زور الفرنسيون النتائج ، بعدما انفقوا كما قيل حوالي الأربعين ألف ليرة كرشاوى ، و لم ينجح من الوطنيين احد في حلب ، و فازت القائمة الموالية لفرنسا بحلب ، و كان حظ الوطنيين أفضل بدمشق . و انتخب المجلس الجديد ، رئيسا للجمهورية محمد علي العابد ابن احد باشاوات الفترة العثمانية ، و المعروف بأنه ذي وجهين ، و عرف عنه لاحقا رغبته في جمع المال من هذا المنصب ، بعدما حاول النائب عن حلب صبحي بركات الحصول على هذا المنصب ، و رفضه الوطنيين بدمشق . و تشكلت الوزارة الجديدة ، و شارك جميل مردم بك الوطني و المسمى ثعلب دمشق ، في الوزارة الجديدة ، و شارك معه النائب الوطني مظهر رسلان و هما دمشقيان، و كان في الوزارة من نواب حلب الموالين لفرنسا سليم جنبرت . و قاطع الحلبيون النواب الموالين لفرنسا، و منعوا جماعتهم من الصلاة جماعة في المساجد، و شنت الصحف الوطنية هجمة شديدة عليهم. فقام الفرنسيين بالقبض على زعماء الوطنيين بتهمة التحريض على سلامة الدولة ، و منهم الشيخ الوقور الدكتور حسن فؤاد إبراهيم باشا ، المحبوب من الناس ، و الملقب ب ( أبونا حسن بيك ) ، و على شقيقه النائب السابق جميل إبراهيم باشا ، و السيدان شكيب و شكري الجابري ، و الحاج عبد الفتاح البيطار و الحاج قاسم جنيد و السيد علي جاموس و الحاج عمر عجوز و السيد عبد الوهاب بري و الحاج علي حردان و هم من زعماء الأحياء الوطنيين ، و لبثوا في السجن خمسين يوما ، خرجت المظاهرات خلالها لتنادي ( بدنا أبونا حسن بيك ) ، ثم أفرج عنهم جميعا لعدم ثبوت الأدلة . و كان لجميل مردم قصة تروى عندما حاول النواب الموالين لفرنسا استجوابه كوزير ، أن التفت إليهم باحتقار و قال : من انتم يا أشباه الرجال ... و ذهبت كلمته مثلا ، و لقبا التصق بهم. . و عقدت الكتلة الوطنية في سوريا مؤتمرا عام 1932، و شكلت المكتب العام و انتخب لرئاسة مكتب الكتلة هاشم الاتاسي رئيسا و إبراهيم هنانو زعيما ، و سعد الله الجابري نائبا للرئيس وجميل مردم بيك وشكري القوتلي و د عبد الرحمن كيالي و فارس الخوري أعضاء . أما مجلس الكتلة الوطنية فقد ضم في صفوفه أهم زعماء سوريا المناهضين للانتداب الفرنسي و من حلب كان السادة: إبراهيم هنانو، سعد الله الجابري، ميخائيل اليان، عبد الرحمن الكيالي، الشيخ عبد القادر السرميني، ناظم القدسي، رشدي كيخيا، عبد الوهاب ميسر، سعد الدين الجابري، إحسان الجابري ، إسماعيل الكيخيا، ادمون رباط، نجيب باقي، احمد خليل المدرس، حسن فؤاد إبراهيم باشا، جميل إبراهيم باشا . و عندما طرحت فرنسا مشروعا لمعاهدة مجحفة بحقوق سوريا ، استقال الوزيرين الوطنيين الدمشقيين من الوزارة ، و الغريب أن صبحي بركات المعروف بموالاته لفرنسا وقف معارضا بشدة لهذه المعاهدة ، مما لم يكن متوقعا منه و بناءا على موقفه الوطني هذا حاول البعض جمعه مع هنانو لإزالة الجفاء فيما بينهما لكن هنانو رفض رفضا قاطعا . فعاد المفوض السامي و شكل وزارة جديدة ، وضع نائبين حلبيين وزراء فيها ، و هم من الموالين لفرنسا ، سليم جنبرت المعروف بالمسالمة ، و شاكر الشعباني و هو من رجال العهد العثماني ،و كان من أعمال هذه الوزارة أن ألغت الديون المستوجبة على المزارعين ، و منهم نائب حلب و رئيس بلديتها غالب إبراهيم باشا الذي كان مدينا بمبلغ ثماني عشر ألف ليرة ، و النائب عارف الجزار عن جبل سمعان الذي كان مدينا بأحد عشر ألف ليرة ، و هذه المبالغ تعبر مبالغ طائلة في عهدها ،و كان هدف الحكومة أن ترشي النواب لتنال ثقتهم . و يقال أن هنانو أجبر نواب حلب الوزراء الموالين لفرنسا على الاستقالة من الحكومة ، و يقال أن الحاج مصطفى شبارق و معه علي جاموس و الحاج علي قواس سافروا إلى دمشق ، و طافوا على النواب مهددين بقتلهم في حال اقروا المعاهدة . و في هذه الفترة تعرض هنانو إلى إطلاق نار في قرية الحامضة التابعة لإنطاكية حاليا ، عندما كان يهم بركوب حصانه ، و أصابته الطلقة في قدمه ، و انهالت برقيات التهنئة بالسلامة متضمنة الآية الكريمة ( يا نار كوني بردا و سلاما على إبراهيم ) ، و خرجت صحيفة القبس لصاحبها نجيب الريس بعنوان ( رصاص المتآمرين في قدم الزعيم ) ، و اتهمت فرنسا بالوقوف وراء محاولة الاغتيال . و من مظاهر حب الجماهير لنوابها ان الوطنيون أعدوا استقبالا حافلا للزعيم هنانو عندما تحسن من مرضه في الجامع الكبير و أعلن الشاب الدكتور ناظم القدسي ، رئيس سوريا لاحقا ، عن فرحة الجماهير بتحسن صحة الزعيم (إبراهيم هنانو ) الذي كان مصابا بالسل . ثم بدأ الزعيم هنانو يتكلم بصوت متهدج ، يشكر الناس و يحي عواطفهم , ويدعوهم إلى التضامن و التماسك بالوحدة الوطنية لمواجهة المستعمر الفرنسي و قد شدد على دور النصارى في النضال ضد الفرنسيين بعدما حاول الفرنسيون بث روح التفرقة الطائفية بينهم و بين اخوانهم . و من أقواله :( النصارى في بلادنا هم إخواننا في العروبة والوطنية لهم ما لنا و عليهم ما علينا،أنا اربأ بهم أن يعتبروا أنفسهم أقلية فهم أكثرية مثلنا ، و كلنا نعيش في ضمان مشترك لا نحتاج معه إلى حماية أجنبية كما يدعي المستعمرون ) . وعند انتهاء الحفل خرج الزعيم محاطاً بحراسة كثيفة من شباب الأحياء محمولاً على الأكتاف , حتى وصلوا إلى ميدان الجامع الكبير , حيث كانت تنتظره سيارة مكشوفة من نوع (فورد أبو دعسة ) , و كان ميخائيل اليان زعيم الحرس الوطني المسمى بالقمصان الحديدية ينظم الشباب , ويعطيهم التوجيهات والإيعازات , بأن يحملوا الزعيم في سيارته على أكتافهم ، و يتجهوا بها من الجامع الكبير إلى منزله في الجميلية أمام مدرسة التجهيز ( المأمون حاليا) . و في عام 1934 زار رئيس الجمهورية علي العابد و رئيس الوزارة الشيخ تاج الدين الحسيني حلب لرفع الستار عن تمثال المطران فرحات ( في ساحة فرحات حاليا ) و كان من المقرر أن يؤدي الرئيسين صلاة الجمعة في الجامع الكبير ، و من الطبيعي أن يؤدياها في المكان العالي المسمى بالسدة و المخصص للولاة و الحكام في الجامع . و لكن إبراهيم هنانو تقدم مع الوطنيين في مظاهرة حاشدة ، و دخل الجامع عازما على منع الرئيسين من الصلاة في السدة ، و كان رجال التحري قد احتلوا السدة لمنع احد من دخولها تمهيدا لوصول الرئيسين ، فما كان من هنانو إلا أن تقدم منها ، فقام له رجال التحري إجلالا و منعوا البقية من اعتلاءها فتدافع الناس ضاغطين على رجال التحري ، الذين اضطروا لإخلاء السدة . و عندما وصل الرئيسان لم يجدا مكانا للصلاة إلا عند الباب، و عند الانتهاء من الصلاة بدأ الوطنيين ينعتونهم علانية بالخونة، و أُلقي عليهم إبريق من الفخار تحطم أمامهم، فساد الهرج و المرج. و ألقى الفرنسيين القبض على الوطنيين ، و منهم سعد الله الجابري و عبد القادر سرميني و ناظم القدسي و د حسن إبراهيم باشا و معهم حوالي الأربعين وطنيا ، و جرت محاكمتهم و دافعوا عن أنفسهم انه لا يوجد في الإسلام نظام تشريفات في الجامع ، و الجميع يصلون سواسية . و عندما سُئل سعد الله الجابري عن جرمه أجاب بالاعتراف الكامل ، و بأن ما دعاه إلى ذلك أن علي العابد و تاج الدين الحسيني لا يمثلان الشعب ، و هما عميلان خائنان لمصلحة فرنسة . أما المحامي ادمون رباط فقد قال في مرافعته موجها الكلام للقضاة الفرنسيين : إن هؤلاء الخونة ليسوا أمناء لكم أيضا ، فمن يخون بلده لا يكون أمينا لغيرها ، و سيطلقون عليكم النار عند خروجكم من بلادنا ، و لكن في ظهوركم ، أما نحن فنطلق عليكم في وجوهكم بما لنا من حق .. و حكم على الوطنيين بالحبس لمدد مختلفة ، و استمرت التظاهرات ، و إضرابات السوق و شعر التجار بضائقة مالية كبيرة مع استمرار إغلاق محلاتهم اغلب الأوقات . و من الطرائف أن التاجر الذي كان يخالف تعليمات الكتلة ، و يفتح محله أثناء الإضراب ، يبدأ الناس بشتمه و الصراخ عليه ( سكر يا عر... سكر ) ، فيضطر للإغلاق فورا . و قد كان إبراهيم هنانو قد انفق كل ما يملك على الثورة و على الكتلة الوطنية و كان يرسل من يستدين له من التجار مبالغ كبيرة و يعطيهم سندات دين لقاءها ، و لم يكن احد من التجار ليطالبه بمبالغ الدين لعلمه أنها تذهب للثورة و للنضال الوطني ، و لكنها كانت طريقة لجعل التبرع شبه إجباري، و قد رأيت إحدى تلك السندات لدى الأستاذ سعد زغلول كواكبي الذي حصل عليها من سعد الله الجابري و احتفظ بها للذكرى . هذه كانت رسالته التي عاش لها، والتي ناضل من أجلها، غير مهتم بالداء الذي كان ينهش رئتيه، ويتسلّل إلى أنحاء أخرى من جسمه الطويل النحيل، لقد كان هنانو في أيامه الأخيرة، يدير معركة الجلاء من قريته (ستي عاتكة) قرب كفر تخاريم ، و من جبل أريحا بعد تكلست إحدى رئتيه من مرض السل و بدأت الرئة الثانية بالتكلس . وفي هذه القرية تحمّل الزعيم آلام مرضه وأعباء واجبه الوطني بصبر عجيب، و في صباح يوم الخميس الواقع 12 تشرين الثاني1935 م فاضت روحه الزكية، وانتقلت إلى أحضان بارئها. و وصل الخبر المفجع الى حلب , بأن الزعيم قد توفي , وأخذت المآذن تردد آيات القرآن الكريم, كما كانت أجراس الكنائس تقرع في كل مكان , بكاءً وحزناً على زعيمهم , وخرج الناس منتظرين جثمان الزعيم , وكانت تسمع النساء يولولن في كل مكان , ويبكي الزعيم , إلى أن وصل الجثمان فسجي في المشفى الوطني حيث أعطاه الطبيب خالص الجابري دواء يؤخر تفسخه ، و صب لوجه الزعيم قالب وقناعا من شمع كي يستطيع صنع تمثال له في المستقبل ، ثم نقل الجثمان إلى مكتب الكتلة الوطنية المتواضع في حي السويقة . بانتظار وصول الوفود من كل البلاد العربية والأجنبية , ووقفت إلى جانب الجثمان مجموعةٌ ُُُ من الحرس الوطني ( القمصان الحديدية ) , بقيادة المهندس الزراعي رشيد رستم و الدكتور خالص الجابري . وبعد تقاطر الوفود من الأقطار العربية و الأجنبية والانتهاء من زيارة و تحية الجثمان , خصص يوم لموكب الجنازة , وقد وضع النعش على سيارة شاحنة صغيرة مجللة بالعلم السوري , يحيط به ستةٌٌُ من الحرس الوطني ( القمصان الحديدية ) ، باللباس الموحد المتميز بالقميص الطويل الحديدي اللون و بالفيصلية ، (و هي القبعة التي كان يرتديها الملك فيصل ) , يرأسهم رشيد رستم و خالص الجابري , وتتقدمه موسيقى دار الأيتام الإسلامية التي يشرف عليها عضو الكتلة الوطنية الحاج نجيب باقي , وهي تعزف الألحان الحزينة , و ولاويل النساء تُسمع من كل مكان, تهتز لها أرجاء حلب كلها ,و سار خلف الجثمان موكب ضخم من رفاقه الوطنيين, وكان الموكب يسير ببطء يتناسب مع قدر الجنازة وقدر الزعيم , والحياة توقفت في المدينة إلا الحشود المصفوفة بانتظام ليس له مثيل أبداً على جوانب الشوارع , بدون غوغائية , و يشرف على تنظيم الجنازة ، الحرس الوطني بزعامة ميخائيل اليان . و سار المحامون بالجنازة بأروابهم الرسمية على اعتبار أنها جنازة وطنية . وقد استغرق الموكب قرابة أربع ساعات و الناس مشاة خلفه ، حتى وصل إلى حي الجميلية حيث انضم إليه شكري القوتلي من بناء يقع أمام مدرسة معاوية الحالية ،, وتوقف قليلاً هناك أمام منزل الزعيم , ثم اتجه إلى المقبرة, ودفن في موقع مخصص له , وتبدل اسم المقبرة إلى مقبرة هنانو ، و ما زالت تحمل هذا الاسم حتى الآن بالرغم من إزالة القبور منها في وقت لاحق .................... و كانت بداية الموكب قد وصلت إلى المقبرة بينما نهايته ما زالت في الجامع الكبير ، ( كيلو مترات كثيرة ) , و عشرات الألوف جاؤوا من أقطار الأرض , و كانت بيوت الحلبيين مفتوحة للضيوف ، و كان الفرنسيون مشدوهين بذلك ، وللأمن والهيبة التي رافقت الجنازة ، مع العلم أن المنظمين الوطنيين لم يسمحوا أبدً للسلطات الفرنسية المنتدبة أو السلطات المحلية التي كانت تعمل لحساب الفرنسيين , بالمشاركة في هذه المناسبة التاريخية العظيمة . هذه هي صور من افعال نواب حلب الوطنيين ايام زمان ، و وقوفهم في وجه الفساد ، و قد دفعوا ثمن نضالهم الوطني في سبيل رفعة بلدهم ، غاليا من اموالهم و ابدانهم و عائلاتهم ، و صور التفاف الجماهير حولهم و محبتهم الحقيقية لنوابهم ، و اترك للقارىء فرصة المقارنة بين تلك الايام و هذه الايام . المراجع : تاريخ النضال الشعبي في الإقليم السوري : تأليف النقيب سليمان محمود السبعاوي . نضال الأحرار في سبيل الاستقلال ، مذكرات جميل إبراهيم باشا . مذكرات المحامي الأستاذ فتح الله الصقال . ذكريات و خواطر ، اسعد الكوراني . - المراحل : الجزء الأول ، د عبد الرحمن كيالي - مذكرات الأستاذ محمد السيد ( لم تنشر )