طلقت زوجتي من أجل وطني - عصام الصافتلي
كان حلمي مذ كنت طفلا أن أدرس وأن أتعلم ، أن أكون متفوقاً ، كان حلم أبي أن أحصل على أعلى الدرجات بالشهادة الثانوية كي أكون مؤهلاً للدراسة في كلية الطب ، حلم العشير ة و حلم القبيلة أن أصبح طبيباً ... بعد صدور نتائج الثانوية العامة خاب أملي وأمل العشيرة وأمل كل أفراد القبيلة ،فالمجموع الذي حصلت عليه كان أقل بسبع درجات من المعدل المطلوب لدراسة الطب ،ما الحل ؟ هل أدرس فرعاً لا يشبع رغباتي و رغبات القبيلة؟
أم أخسر عاماً كاملاً و أعيد الثانوية العامة ؟ تملكتني الحيرة والحزن ، و زاد في حزني أنني لم أتلق ولو تهنئة واحدة بنجاحي رغم أنني حصلت على مجموع ممتاز ... عاملوني معاملة الراسبين الخاسرين المنكسرين ... في إحدى الأيام العاصفة والماطرة دخلت عليّ والدتي مبشرةً وقالت : حضر شيخ العشيرة ومعه وجهاء القبيلة وقاضي القضاة وهم الآن ينتظرون دخولك عليهم ... دخلت مطأطئ الرأس خجلاً من نفسي منكسراً .
ساد في الاجتماع هرج ومرج وصدٌ ورد وبعد مداولات طويلة قال قاضي القضاة :
قررت قطع رأس العلامات السبع التي حالت بينك وبين دراسة الطب وحكمت بإرسالك إلى إحدى الجامعات الأوروبية لتحقق أحلام كل أفراد العشيرة .
حزمت حقائبي على عجل وسافرت إلى أوروبا محملاً بمئات الوصايا ... وكل وصية كانت تنتهي بذات الكلمة ...عد ...عد ...عد .
هناك انكببت على الدراسة ووصلت الليل بالنهار حتى نلت المراد وحصلت على شهادة الطب وتخرجت بتفوق ثم تخصصت بإحدى الاختصاصات وأيضا تخرجت بتفوق وأكملت الدراسة وحصلت على شهادة الدكتوراه .
خلال فترة دراستي أتقنت ثلاث لغات وألفت كتابين باللغة الانكليزية ودعيت إلى مئات المؤتمرات الطبية وعملت في مشافي عدّةّ وجامعات كثيرة .
قُدّمت لي عدة عروض للعمل في إيطاليا وبريطانيا وإمارة دبي لكنني رفضت كل العروض وقررت العودة إلى وطني الحبيب لأضع علمي وخبرتي في خدمة أهل بلدي .
زوجتي الأوروبية رفضت العودة معي وأشهرت سلاح الاحتفاظ بطفلي بوجهي...فقلت لها أننا نستطيع الزواج من أربع نساء ، وهذا محلل في شريعتنا ...وخيرتها بين السفر معي وبين الطلاق ...عدت بعد غربة دامت سبعة عشر عاماً إلى أرض الوطن ،عدت مع ثروتي التي تزن عدة كيلو غرامات من الشهادات والكتب.... أول الأمور التي كان علي القيام بها بعد عودتي هي معادلة شهادتي الأجنبية ....بدأت رحلتي الطويلة في التنقل بين الوزارات ، لم أكن أعلم أنها رحلة للتحدي واقتحام المصاعب ، كنت أظن أن الأمر سهل وواضح وميسّر ، لكنني واجهت مجموعة من الأحاجي والألغام والطلاسم ، والكثير من الأمور المجهولة التي يعجز في بعض الأحيان واضعوها عن تفسيرها.... فلإنجاز ورقة واحدة كان عليّ إحضار طلب التسجيل من مكان والطابع من مكان والختم والتسجيل بالديوان بمكان.
ولا تنجز الورقة إلا بعد المرور بسبع أو ثمان مكاتب فعندما
ذهبت إلى وزارة التعليم العالي من أجل السؤال عن كيفية تعديل شهادة الدكتوراه ووقفت على باب النافذة الواحدة لم يستطع الموظف المهذب جداً الإجابة عن سؤالي! فأحالني إلى النافذة الثانية وأيضا الموظفة المهذبة جداً لم تستطع الإجابة عن سؤالي, فقامت بإجراء عدة اتصالات بالمكاتب للاستفسار ,وقررت إرسالي إلى الطابق الرابع, هناك استقبلني موظف أيضاً مهذب جداً ....( يبدو أن ميزة هذه الوزارة أنها حقا لديها كادر من الأشخاص المهذبين )... شرحت له من جديد قصتي فأجابني بتفصيل ممل لا يغن ولا يسمن من جوع .... كنت أدور في حلقة مفرغة ولم أحصل على جواب لكنه اقترح عليّ أن أصعد إلى الطابق السادس . مكتب جديد وموظفة جديدة وقصتي هي نفسها ...
هذه الموظفة ودون أن أفتح حقيبتي قالت لي أوراقك غير كاملة لدخول المسابقة كي تكون مؤهلاً للتدريس ،فقلت لها :لاعلاقة لهذا بالاختصاص الذي أبحث عن معادلته وأصرت دون أن ترى الأوراق على أن أوراقي غير كاملة ... فجأة قالت لي ودون أن تنظر إلي : تعال بعد أسبوع للاستفسار من المسؤول الأعلى الذي اتضح لي فيما بعد أنه مسافر خارج القطر .
أما في مديرية التأهيل والتدريب وهذه رحلة أخرى ... طلبوا مني بالتقسيط الممل تصوير جوازات السفر وبعد إحضاري للصور طلبت مني الموظفة أن أكتب رقم كل صفحة ورقم كل جواز على ورقة.... أي أن أقوم بعملها
استلمت مني الأوراق ولم تمنحني أي إشعار بالاستلام وقالت اترك رقم هاتفك ... فقلت لها متى أعود ؟ قالت : سنتصل بك بعد شهر ونصف أو شهرين..فقلت لها شهرين زمن طويل جداَ فقالت لدينا تراكم في الطلبات .
في أوربا الأمور مختلفة تماما، فأنت تستطيع الحصول على أية معلومات ترغب بها من خلال الهاتف،وإذا دخلت إلى وزارة أو إدارة ستجد لوحات إرشادية ،تغنيك عن السؤال...وإذا قررت سؤال أي موظف عن أمر ما ستجد أن الموظف ملم بأدق التفاصيل ...ستجد المعاملة الحسنة والاحترام الشديد فالتعامل مع المراجعين فن قائم بحد ذاته لا بل من صلب العمل...
أما في بلادي فالموظفة تشعرك بأنه يجب تقبيل يديها أولا ومن ثم تجيب عن أسئلتك خرجت من رحلة البحث بين أروقة الوزارات وأنا مستغرب،لماذا كل هذه التعقيدات ؟لماذا الموظفين غير أكفاء وغير مؤهلين؟ العجيب وجود هذا العدد الكبير من الموظفين والموظفات الذين يعملون، ولا يدرون ما هو عملهم ...... كل ما شاهدته في كفة ودورات المياه في هذه المباني في كفة فالأوساخ في كل مكان والروائح تمنعك من الاقتراب أو الاستعمال ... فمتى سنسير في ركب الحضارة ؟ لماذا كل هذا الاستهتار واللامبالاة في الدوائر الحكومية ؟
عصام الصافتلي - سيريا ستيبس
أم أخسر عاماً كاملاً و أعيد الثانوية العامة ؟ تملكتني الحيرة والحزن ، و زاد في حزني أنني لم أتلق ولو تهنئة واحدة بنجاحي رغم أنني حصلت على مجموع ممتاز ... عاملوني معاملة الراسبين الخاسرين المنكسرين ... في إحدى الأيام العاصفة والماطرة دخلت عليّ والدتي مبشرةً وقالت : حضر شيخ العشيرة ومعه وجهاء القبيلة وقاضي القضاة وهم الآن ينتظرون دخولك عليهم ... دخلت مطأطئ الرأس خجلاً من نفسي منكسراً .
ساد في الاجتماع هرج ومرج وصدٌ ورد وبعد مداولات طويلة قال قاضي القضاة :
قررت قطع رأس العلامات السبع التي حالت بينك وبين دراسة الطب وحكمت بإرسالك إلى إحدى الجامعات الأوروبية لتحقق أحلام كل أفراد العشيرة .
حزمت حقائبي على عجل وسافرت إلى أوروبا محملاً بمئات الوصايا ... وكل وصية كانت تنتهي بذات الكلمة ...عد ...عد ...عد .
هناك انكببت على الدراسة ووصلت الليل بالنهار حتى نلت المراد وحصلت على شهادة الطب وتخرجت بتفوق ثم تخصصت بإحدى الاختصاصات وأيضا تخرجت بتفوق وأكملت الدراسة وحصلت على شهادة الدكتوراه .
خلال فترة دراستي أتقنت ثلاث لغات وألفت كتابين باللغة الانكليزية ودعيت إلى مئات المؤتمرات الطبية وعملت في مشافي عدّةّ وجامعات كثيرة .
قُدّمت لي عدة عروض للعمل في إيطاليا وبريطانيا وإمارة دبي لكنني رفضت كل العروض وقررت العودة إلى وطني الحبيب لأضع علمي وخبرتي في خدمة أهل بلدي .
زوجتي الأوروبية رفضت العودة معي وأشهرت سلاح الاحتفاظ بطفلي بوجهي...فقلت لها أننا نستطيع الزواج من أربع نساء ، وهذا محلل في شريعتنا ...وخيرتها بين السفر معي وبين الطلاق ...عدت بعد غربة دامت سبعة عشر عاماً إلى أرض الوطن ،عدت مع ثروتي التي تزن عدة كيلو غرامات من الشهادات والكتب.... أول الأمور التي كان علي القيام بها بعد عودتي هي معادلة شهادتي الأجنبية ....بدأت رحلتي الطويلة في التنقل بين الوزارات ، لم أكن أعلم أنها رحلة للتحدي واقتحام المصاعب ، كنت أظن أن الأمر سهل وواضح وميسّر ، لكنني واجهت مجموعة من الأحاجي والألغام والطلاسم ، والكثير من الأمور المجهولة التي يعجز في بعض الأحيان واضعوها عن تفسيرها.... فلإنجاز ورقة واحدة كان عليّ إحضار طلب التسجيل من مكان والطابع من مكان والختم والتسجيل بالديوان بمكان.
ولا تنجز الورقة إلا بعد المرور بسبع أو ثمان مكاتب فعندما
ذهبت إلى وزارة التعليم العالي من أجل السؤال عن كيفية تعديل شهادة الدكتوراه ووقفت على باب النافذة الواحدة لم يستطع الموظف المهذب جداً الإجابة عن سؤالي! فأحالني إلى النافذة الثانية وأيضا الموظفة المهذبة جداً لم تستطع الإجابة عن سؤالي, فقامت بإجراء عدة اتصالات بالمكاتب للاستفسار ,وقررت إرسالي إلى الطابق الرابع, هناك استقبلني موظف أيضاً مهذب جداً ....( يبدو أن ميزة هذه الوزارة أنها حقا لديها كادر من الأشخاص المهذبين )... شرحت له من جديد قصتي فأجابني بتفصيل ممل لا يغن ولا يسمن من جوع .... كنت أدور في حلقة مفرغة ولم أحصل على جواب لكنه اقترح عليّ أن أصعد إلى الطابق السادس . مكتب جديد وموظفة جديدة وقصتي هي نفسها ...
هذه الموظفة ودون أن أفتح حقيبتي قالت لي أوراقك غير كاملة لدخول المسابقة كي تكون مؤهلاً للتدريس ،فقلت لها :لاعلاقة لهذا بالاختصاص الذي أبحث عن معادلته وأصرت دون أن ترى الأوراق على أن أوراقي غير كاملة ... فجأة قالت لي ودون أن تنظر إلي : تعال بعد أسبوع للاستفسار من المسؤول الأعلى الذي اتضح لي فيما بعد أنه مسافر خارج القطر .
أما في مديرية التأهيل والتدريب وهذه رحلة أخرى ... طلبوا مني بالتقسيط الممل تصوير جوازات السفر وبعد إحضاري للصور طلبت مني الموظفة أن أكتب رقم كل صفحة ورقم كل جواز على ورقة.... أي أن أقوم بعملها
استلمت مني الأوراق ولم تمنحني أي إشعار بالاستلام وقالت اترك رقم هاتفك ... فقلت لها متى أعود ؟ قالت : سنتصل بك بعد شهر ونصف أو شهرين..فقلت لها شهرين زمن طويل جداَ فقالت لدينا تراكم في الطلبات .
في أوربا الأمور مختلفة تماما، فأنت تستطيع الحصول على أية معلومات ترغب بها من خلال الهاتف،وإذا دخلت إلى وزارة أو إدارة ستجد لوحات إرشادية ،تغنيك عن السؤال...وإذا قررت سؤال أي موظف عن أمر ما ستجد أن الموظف ملم بأدق التفاصيل ...ستجد المعاملة الحسنة والاحترام الشديد فالتعامل مع المراجعين فن قائم بحد ذاته لا بل من صلب العمل...
أما في بلادي فالموظفة تشعرك بأنه يجب تقبيل يديها أولا ومن ثم تجيب عن أسئلتك خرجت من رحلة البحث بين أروقة الوزارات وأنا مستغرب،لماذا كل هذه التعقيدات ؟لماذا الموظفين غير أكفاء وغير مؤهلين؟ العجيب وجود هذا العدد الكبير من الموظفين والموظفات الذين يعملون، ولا يدرون ما هو عملهم ...... كل ما شاهدته في كفة ودورات المياه في هذه المباني في كفة فالأوساخ في كل مكان والروائح تمنعك من الاقتراب أو الاستعمال ... فمتى سنسير في ركب الحضارة ؟ لماذا كل هذا الاستهتار واللامبالاة في الدوائر الحكومية ؟
عصام الصافتلي - سيريا ستيبس



del.icio.us
Digg
التعليقات (3 تعليق):
إضف تعليقك