الرئيسية | وجهات نظر | الاحتلال البريطاني لسوريا... بقلم المحامي علاء السيد

الاحتلال البريطاني لسوريا... بقلم المحامي علاء السيد

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


ان المعلومات المتوفرة لدينا عن أحداث دخول الجيوش البريطانية للأراضي السورية من الجنوب ، و وصولها حتى حلب شمالا ،و بقائها جاثمة على الأراضي السورية فترة تزيد عن العام ،  تكاد تكون معدومة   .
عند انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918 ، انسحبت القوات التركية و حلفاءها الألمان من سوريا ، و قد كان تعدادهم قد وصل إلى عشرة آلاف جندي ألماني ، و خمسة عشر ألف جندي تركي ، و حوالي اثنا عشر ألف جندي عربي موالين للعثمانيين ، و قد أقام الجنود الألمان بحلب ما سمي وقتها قشلة الألمان في منطقة مساكن السبيل الحالية ، و هو موقع عسكري تحول إلى ثكنة طارق بن زياد حاليا ، و يجري العمل على تحويله إلى فندق و منتجع في المستقبل القريب .
عندما انسحب الأتراك من دمشق ، سارع الأمير سعيد الجزائري حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، إلى إعلان قيام حكومة عربية بدمشق على كامل أراضي سوريا الطبيعية برئاسته و تحت راية الشريف حسين،  ، و كان مقيما في دمشق و يتبع له حوالي الخمسة عشر ألف رجلا من المغاربة و الجزائريين  ،.
و طلب الجزائري من رئيس بلدية بيروت عمر الداعوق رفع العلم العربي فقام برفعه ، كما طلب من بطريرك الموارنة تشكيل حكومة في جبل لبنان مركزها بعبدا و رفع العلم العربي عليها ، فتلكأ بانتظار الدعم الفرنسي الموعود.
كان العلم العربي يحمل ألوانا أربعة ، الأخضر رمزا  للفاطميين ، و الأبيض رمزا للامويين ، و الأسود للعباسيين ، و أما الأحمر فهو شعار أسرة الحسين الهاشمية .
و في  شتاء عام  1918 ، دخلت من الجنوب قوات الثورة العربية التي تحمل راية الشريف حسين و بقيادة الشريف ناصر شقيق الشريف حسين و عم الأمير فيصل  ، و المؤلفة من رجال عدة  عشائر  عربية  أهمها عشيرة الرولا من فخذ عنزة ،  بزعامة الأمير منير الشعلان ، وعشيرة الجبور بزعامة  الأمير طراد الملحم و المتواجدة حتى الآن في حمص ،  و عشيرة عنزة في وادي سرحان في العقبة بزعامة الشيخ عودة بن حرب و غيرها  من قوات عشائرية ، و بقيادة غير مباشرة من الضابط البريطاني لورنس ، الشهير بلورنس العرب .
  ثم دخل الجنرال البريطاني  اللنبي سوريا ، قادما من القدس ، بعدما صرح فيها تصريحه الشهير ( الآن انتهت الحروب الصليبية ) ،  و التقى الجيشان في دمشق .
لم يطل عمر حكومة الأمير سعيد الجزائري إلا يوما واحدا فقط،  فقد قام  لورنس بخلعه ، و تعيين الدمشقي شكري باشا الأيوبي ، و هو من سلالة صلاح الدين ، حاكما عسكريا ، و كان في السبعين من عمره في ذلك الوقت .
دخل الأمير فيصل دمشق و كان شابا  في الثالثة و الثلاثين من عمره ، على جواد ابيض يحيط به ألف و خمسمائة فارس ، و استقبلته الجماهير بحماس منقطع النظير .
أفهم الجنرال اللنبي  الأمير فيصل بأنه هو القائد العام ، و فيصل هو مجرد قائد  في القوات المتحالفة ، و افهمه ان  سلطته تنحصر فقط على المناطق الداخلية ، و لا علاقة له بالساحل و ببيروت و جبل لبنان و فلسطين ، و رضخ فيصل أمام الأمر الواقع ، كان قرار اللنبي هو النافذ .
و قد عرف عن فيصل تردده و ضعف إرادته و سرعة تغيير رأيه ، و عدم قبوله الرأي و المشورة ،  و تساهله و تسامحه الشديد ، و نبله مع أعدائه ،كان مسرفا مبذرا في إنفاق المال ، محبا لمظاهر التفخيم ، لقد كانت شخصيته أثرة تسحر من حوله ، و لم يعرف عنه انه غضب أبدا ، يأكل قليلا و يدخن كثيرا .
 انسحبت القوات التركية شمالا ، و اجتمع القواد الأتراك  في فندق بارون بحلب كمقر لقيادة الجيش ، و قام  الأتراك بتوزيع كميات من الأموال الذهبية ، مرسلة إليهم من الحكومة التركية بغية دفعها للعشائر العربية قصد كسب ولائها ،  وزعوها على جنودهم بدلا من رجال العشائر ، و تنتشر قصة شعبية بين أهالي منطقة كفر حمرة قرب حلب ، ان الجيش التركي دفن هذه الأموال الذهبية في تلك المنطقة ، للعودة إليها لاحقا ، و  يأمل الكثير من أهالي المنطقة حتى الآن بالعثور عليها .
و استمرت القوات البريطانية في التقدم شمالا ، حتى التقت بآخر القوات التركية  الخارجة من سوريا بقيادة القائد التركي مصطفى كمال الذي لقب لاحقا بأتاتورك ، و قامت معركة عنيفة ،  بينها و بين  الجيش  البريطاني قرب حلب في منطقة سميت فيما بعد قبر الإنكليزي ، و ضمت القوات البريطانية المقاتلة جنودا إنكليز  و هنود و استراليون  .
 و قبر الإنكليز هو في الحقيقة نصب  تذكاري لجنود اللواء الهندي الخيال الخامس عشر ، الذين توفوا  في تلك المعركة في  نهاية عام 1918 ، مع قائدهم الجنرال هولدين ، و ذلك النصب معروف باسم قبر الإنكليزي رغم عدم وجود قبر فيه ،  و تلك المعركة كانت آخر معارك الحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط .
و قد دفن قتلى الجيش البريطاني في مدفن خاص ، يقع حاليا أمام معمل العوارض الإسمنتية بداية حي الشيخ مقصود ، و كان من بين القتلى جنود هنود مسلمين ، دفنوا إلى جانب الجنود الإنكليز و الاستراليين ، مع وضع إشارة الهلال على قبورهم لتمييزها .
و تقوم الجالية البريطانية سنويا حتى هذا التاريخ، و بحضور السفير البريطاني ،  في الساعة الحادية عشرة في يوم الحادي عشر من الشهر الحادي عشر ، و هو تاريخ إعلان نهاية الحرب العالمية الأولى بزيارة هذه القبور و وضع الزهور عليها.
عندما دخل الشريف مطر قائد القوات العربية حلب ، عين كامل باشا  القدسي واليا عليها ، و هو من أشراف حلب ، و من ذات العائلة التي أنجبت الدكتور ناظم القدسي الذي تسلم لاحقا رئاسة الجمهورية السورية ،  أما الجنرال اللنبي ، فقد عين الضابط العراقي الموالي للبريطانيين جعفر العسكري حاكما عسكريا فعليا بدلا من كامل باشا القدسي .
أما في منطقة الاسكندرونة فقد قام إبراهيم هنانو ، و كان أمين سر ولاية حلب بتشكيل حكومة و جيش صغير تحت علم الشريف حسين في بلدته كفر تخاريم و تقع على الحدود التركية الحالية ، و دخلت قواته إنطاكية و رفعت عليها العلم العربي .
 و حمى هنانو ، الذي كان متزوجا من سيدة تركية ، الجنود الأتراك المنسحبين ، و منع تمزيق العلم التركي ، و قال : ( ان هذا العلم أظل العرب و المسلمين ستة قرون و يجب ان يبقى محترما ، و الشعب التركي أخ للشعب العربي و ان تفرقا ) ، و قد قدر له الأتراك موقفه هذا لاحقا و دعموا ثورته ضد الفرنسيين .
وفي حماه تشكلت لجنة من الوجهاء وانتخبوا  بدر الدين الكيلاني رئيسا لحكومة محلية ريثما يدخل الجيش العربي حماة ، و طلب الكيلاني من سامي الحراكي تشكيل حكومة عربية في معرة النعمان التي كانت تابعة إلى حماة ،  و في حمص تشكلت حكومة محلية برئاسة عمر الاتاسي ، و كان من أعضائها رجل الدين المسيحي الوطني : الخوري عيسى اسعد .
و كانت القوات الفرنسية قد بدأت بالوفود إلى سواحل سوريا و استلام المواقع من الجنود الإنكليز ، و تمركزت قيادتها في جزيرة أرواد  ، و استقرت في ميناء اسكندرونة شمالا،  و احتلت  بيروت جنوبا ، و لم تدخل العمق السوري .
 أما الجنرال اللنبي فقد أمر بإنزال العلم العربي المرفوع في بيروت و كافة المدن الساحلية بعدما احتلتها القوات الفرنسية،  فاحتج فيصل على هذه الإهانة و هدد بالاستقالة ، فنصح مستشارو اللنبي  بمهادنة فيصل ، خوفا من إثارة المتاعب مع الأهالي ، فأبلغ اللنبي فيصلا ان هذه الإجراءات مؤقتة و سينظر بالأمر لاحقا ، و انطلت الخدعة على فيصل .
و طلب اللنبي من فيصل إصدار الأوامر لهنانو كي  تسلم الحكومة العربية في إنطاكية المدينة للفرنسيين ، فامتثل هنانو لأوامر فيصل بعدما أقنعه أن الوجود الفرنسي مؤقت .
و شكل فيصل أول حكومة عربية صورية لم تكتب لها الحياة الفعلية ، و رئسها الضابط السابق في الجيش العثماني ، الدمشقي علي رضا الركابي ،  و ضمت ثلاثة وزراء  من جبل لبنان ، و وزير من بيروت ، و وزير من دمشق ، و ساطع الحصري من حلب ، و وزير الدفاع من العراق ، محاولا الإيحاء ان هذه الحكومة تمثل سوريا الكبرى و ليست حكومة على الأجزاء الداخلية من سوريا .
و كان تعداد جيش فيصل يبلغ حوالي الثمانية آلاف و خمسمائة رجل ،و عندما حاول وزير الدفاع تسليحهم رفض البريطانيون إمدادهم بالسلاح .
و جال فيصل على المدن السورية و في زيارته لحلب شتاء عام 1918 خطب فقال : ( ان لحكومات فرنسا و بريطانيا اليد البيضاء في مساعدتنا ، و لا ينسى العرب فضل معاونتهم ) .
ثم توجه من حلب إلى طرابلس حيث قوبل بحماس منقطع النظير ، أكد خلاله أهالي طرابلس أنهم جزء من سوريا ، و عندما
وصل إلى بيروت ، لم يكن لجميع الأهالي ذات الحماس ، فقد كان بعضهم مواليا لفرنسا بشكل كامل .
و دعي فيصل نهاية عام 1918 إلى أوربا للمشاركة في مؤتمر الصلح الذي انعقد بعد الحرب العالمية ، فغادر بيروت باتجاه مرسيليا في فرنسا ،   و التقى فيها مع لورنس قادما من انكلترا  ، و كان لورنس مرتديا الزي العربي ، فرفض الفرنسيون استقبال لورنس رسميا ما لم يرتدي الزي العسكري البريطاني بصفته ضابطا بريطانيا لا عربيا ،  فما كان من لورنس  إلا ان غادر فرنسا إلى انكلترا ، بعدما رد الوسام الذي قلده إياه الفرنسيون سابقا أثناء الحرب ، و تابع فيصل زيارته لفرنسا من دونه ، حيث قلده الجنرال الفرنسي  غورو وساما رفيعا في ستراسبورغ على الحدود الألمانية .
و كان لهذه الحركة من لورنس بعدما رفض خلع الرداء العربي ، التأثير الكبير على الأمير فيصل ، و يبدو ان لورنس كان يعرف كيف يؤثر على فيصل .
 شعر فيصل بالشك تجاه نوايا الفرنسيين خلال زيارته لباريس ، و عندما وصل إلى لندن كان لورنس في استقباله ، و أقام له البريطانيين استقبالا فخما حضره الملك شخصيا ، و بعد شهرين من الإقامة الفخمة في لندن ،  بدأ فيصل يرتدي اللباس الأوربي و يتجول في شوارع لندن .
و قد أكد له البريطانيون على حسن نواياهم تجاه سوريا ، بينما كانوا من وراء ظهره يقتسمون ما تبقى من سوريا ،و يقومون بتعديل اتفاقية سايكس بيكو مع الفرنسيين ، و التي أبرمت قبل سنوات في غفلة عن الشريف حسين ، فطلبوا الحصول على الموصل الغني بالنفط ، لقاء ان يتنازلوا للفرنسيين عن كيليكيا ، و قبل الفرنسيون بذلك .
و قد نظم لورنس لقاءً بين فيصل و زعماء الحركة الصهيونية بزعامة وايزمن ، الذين  أكدوا له ان هجرة اليهود لفلسطين  هي هجرة عادية طالبين المساواة مع السكان و المساهمة في الاعمار ، و أنهم لا ينوون أبدا إقامة دولة يهودية فيها ، و صدق فيصل ذلك .
و عندما انعقد مؤتمر الصلح في باريس ، رفض الفرنسيون اعتبار فيصل ممثلا عن سوريا ، و اكتفوا باعتباره ممثلا عن الحجاز ، و كان الحل ان يكون هناك ممثلين اثنين ، واحدا عن الحجاز و الآخر عن سوريا ، و شارك في المؤتمر سبعا و عشرين دولة أهمها بريطانيا و فرنسا و الولايات المتحدة .
و طرح فيصل خلال المؤتمر طروحات جديدة ، هي إقامة ثلاث حكومات عربية : الأولى في الحجاز و الثانية في سوريا و الثالثة في العراق ، و طرح نفسه قائدا لثورة سورّية مستقلة عن ثورة الحجاز ، و استثنى فلسطين من سوريا ، و قال انه لا مانع ان تكون تحت وصاية دولة كبرى ، و اقترح الأمريكيون نظام الانتداب على الدول،  و تقرر هذا النظام ، كما  اقترحوا إرسال لجنة لاستفتاء الشعب  حول رغباتهم السياسية ، و أي دولة يرغب السوريون بأن تكون منتدبة عليهم  .
و وافق الفرنسيون و البريطانيون مكرهين ، على إرسال لجنة أمريكية لمعرفة رغبات الشعب السياسية ، و كان أعضاءها من الأمريكيين فقط ، و عندما شعر البريطانيون بخطر اللجنة الأمريكية ،  سارع لورنس بإقناع فيصل بتجاهل عمل اللجنة و الاتفاق مع فرنسا مباشرة .
أجزل الفرنسيون الوعود لفيصل  ، و طلبوا منه قبول سحب الجنود البريطانيين ، و إحلال جنود فرنسيين بدلا عنهم و رفع العلم الفرنسي ، مقابل إعلان استقلال سوريا ، و قبول فرنسا به ، و طبعا كان هذا العرض مكشوفا ، فكيف يعلن عن استقلال دولة سورية ، جنودها فرنسيون و علمها فرنسي ، و حاول فيصل المماطلة حتى ظهور نتائج اللجنة الأمريكية .
بعد خمسة أشهر من الإقامة في أوربا ، عاد فيصل إلى بيروت ، و استقبلته الجماهير استقبالا شعبيا حافلا ، و أطلقت له القوات البريطانية المدافع ترحيبا به .
و فيصل أمام الجماهير العربية غير فيصل أمام دهاة  الساسة الإنكليز و الفرنسيين  ، فقد  صرح  تصاريح نارية أمام الجماهير مثل ( ان كل من يطلب معونة إنكلترا او فرنسا او أمريكا فليس منا ، و لا بد من الاستقلال المطلق ) ، و قال ان مؤتمر الصلح اقر الاستقلال و لكنه لم يأت على ذكر ما  يخص  الانتداب  إلا لاحقا و أمام الخاصة من رجاله  ، و قال كلمته المشهورة ( الاستقلال يؤخذ و لا يعطى ) .
و عندما وصل لدمشق ربيع عام 1919 ، استقبلته الجماهير استقبالا منقطع النظير ، و أعد له الدمشقيون عربة تجرها ثمانية خيول سروجها من الذهب و الفضة و زينت جوانبها بالمجوهرات التي تبرعت بها السيدات الدمشقيات ، و قدم الدمشقيون خمس و عشرون ألف سجادة لفرش الطريق ، و عرقلت الورود الملقاة عليه مسير الموكب من كثرتها .
 أطلق فيصل للمرة الأولى  اصطلاح ( الأمة السورية ) المستقلة عن الحجاز ،  و تعالت الهتافات بالموافقة ، و بايعته وفود بيروت و صيدا و فلسطين و دمشق و حمص و حماه و حلب و طرابلس و وفود العشائر ..و غيرها من وفود ، و لم يذكر للوفود الفلسطينية أن فلسطين استثنيت من الدولة السورية .
و بدأت الصراعات الخفية بين الرجال القادمين مع فيصل من هاشميي الحجاز و رجال العشائر و ضباط الجيش العربي و أغلبهم من العراقيين الموالين لإنكلترا ، و بين  الرجال السوريين الذين كانوا يعملون سابقا تحت ظل الحكم التركي ، و التف السوريون حول الضابط الدمشقي الشاب يوسف العظمة البالغ الخامسة و الثلاثين من عمره فقط ، و الذي كان ضابطا في الجيش العثماني و درس أركان حرب في ألمانيا ، و حارب سابقا في أرجاء الإمبراطورية العثمانية ،  و كان متزوجا من سيدة تركية ، و له منها ابنة واحدة اسمها ليلى  .
قرر فيصل في بداية صيف عام 1919 ،  الدعوة لانتخاب مجلس نيابي، أسوة بما شاهده في أوربا ، و اسماه المؤتمر السوري ، و كان اغلب أعضاؤه من نواب البلاد السابقين إلى مجلس المبعوثان العثماني ، و بلغ عددهم خمسة و ثمانون عضوا ، من دمشق و شرق الأردن و إنطاكية و بيروت و طرابلس و جبل لبنان و فلسطين و حلب و حماه و حمص و دير الزور و جبل الدروز  ، لقد كان حقا المجلس الوحيد في التاريخ الذي مثل أعضاءه مواطني سورية الطبيعية بالكامل و لم يتكرر بعدها.
ومن أعضاء المؤتمر السوري الذين كان لهم دور كبير لاحق في التاريخ السوري :  تاج الدين الحسيني و  فوزي العظم والد خالد العظم ممثلين عن دمشق، إبراهيم هنانو ممثلا عن قضاء حارم ، و سعد الله الجابري و رضا الرفاعي و مرعي باشا الملاح  و الدكتور عبد الرحمن كيالي ممثلين عن حلب ، حكمت الحراكي ممثلا عن المعرة، عبدالقادر الكيلاني ممثلا عن حماة،  أمين الحسيني ممثلا عن القدس.
و انتخب الزعيم الحمصي هاشم الاتاسي رئيسا للمؤتمر ، ومرعي باشا الملاح ويوسف الحكيم نائبي رئيس .
 كانت مهمة المؤتمر وضع قانون أساسي للبلاد و سمي لاحقا ( الدستور ) ، و كانت غاية فيصل من المؤتمر أن يبين بوضوح للجنة الأمريكية القادمة ، إجماع مواطني سوريا الطبيعية على قبول حكمه ، و إنهاء فكرة الوحدة مع الحجاز ، و إظهار رفض الشعب للانتداب الفرنسي .
و قرر المؤتمر المطالبة بوحدة سورية و استقلالها ، و قبول انتداب أمريكا او بريطانيا ، و رفض الانتداب الفرنسي ، و لكن على ان يكون مفهوم الانتداب هو المساعدة الفنية فقط .
و أعلن بطريرك الموارنة حويك في جبل لبنان  عدم رغبته بالانضمام للدولة السورية  و قبوله الانتداب الفرنسي ، و اعتبار العيد الوطني الفرنسي عيدا وطنيا في جبل لبنان ،  و بدء يطالب بتوسيع أراضيه لتشمل البقاع و طرابلس و بيروت و غيرها من أراض كانت سورية حتى ذلك التاريخ ، و صرح من باريس :  أن لبنان يفضل الموت جوعا في ظل صخوره على ان يكون تابعا لدمشق  .
قام الفرنسيون بمحاولة إثارة النعرات الطائفية لكي يثيروا حفيظة المسيحيين في باقي أجزاء سوريا ، ليرفضوا امام اللجنة الأمريكية الحكم العربي و يقبلوا بالانتداب الفرنسي  ،و ذلك بالترويج ان جيش الحجاز هو جيش ديني ، ، و كان موقف مطران السريان أفرام برصوم في دمشق حازما واضحا ، مخالفا لموقف بطريرك الموارنة في جبل لبنان ، حين أعلن : ( لا تمنعني  مسيحيتي من اعتناق مذهب الوحدة العربية الذي يجمع البلاد في الإخاء و المساواة ) ، كما قام بطريرك الأرثوذكس بإقامة الصلاة للدعاء للحسين و جيشه و الحكام العرب .
و عندما فشل الفرنسيون طائفيا تحركوا باتجاه العشائر ، و وقعوا مع الأمير مجحم بن مهيد أحد شيوخ عنزة ، و هي عشيرة بدوية تقطن البادية السورية ، اتفاقية تعهد فيها  الأمير بقبول الانتداب الفرنسي لقاء مزايا خاصة ( أموال ذهبية و وعد بتقليده ارفع وسام فرنسي و عرضه كبديل عن فيصل في سوريا ) ، و قد قامت الحكومة العربية باعتقاله لهذا السبب ثم أطلقت سراحه تحت الضغوط .
تأخرت اللجنة الأمريكية بالوصول ، بسبب العرقلة البريطانية الفرنسية ، و هدد فيصل بإعلان الاستقلال ، فكان رد الجنرال البريطاني اللنبي قاسيا ، و هدده بقيام مواجهة بين القوات الفرنسية و البريطانية معا مع القوات العربية الفيصلية لسحقها ، و صرح علانية ان بريطانيا لا ترغب بالانتداب على سوريا ، و لكنه عاد و تبسط معه و أكد له ان اللجنة قادمة .
و وصلت اللجنة ، و التقت أعضاء المؤتمر السوري و زارت مختلف المدن السورية و استغرق منها الأمر طوال الصيف  ، و تقدم الأهالي بعريضة موقعة من ثلاثمائة ألف مواطن تؤيد المطالب الوطنية لرجال المؤتمر ، و لكن سرعان ما تبين للجميع  أنها لجنة صورية و قراراتها غير ملزمة لأحد ، و طوي تقريرها في الأدراج .
في نهاية صيف عام 1919، قام فيصل في محاولة ضعيفة لبسط سلطته ،  بتشكيل حكومة إدارية مدنية تحت رئاسته ، اسماها مجلس المديرين بدلا من اسم مجلس الوزراء ، و رغب فيصل ان تكون هذه الحكومة بديلة عن الحاكم العسكري الذي  كان تحت سلطة الجنرال اللنبي  ، طوال هذا الوقت.
رفض اللنبي هذه الحكومة ، و تراجع فيصل ليعلن انه مجرد مجلس استشاري ، و اعلم البريطانيون فيصل صراحة أنهم سيعملون على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ، و ان اللنبي هو المسئول الوحيد و الأعلى،  و انه لا قيمة لمجلس المديرين و عندما رفض فيصل ما صرح به البريطانيون ، أعلموه ان أي مقاومة منه ستقمع بالقوة .
سافر الجنرال اللنبي إلى إنكلترا ،خريف عام 1919 ،  و نصح باستقدام فيصل إلى أوربا للاتفاق معه نهائيا، و تبلغ فيصل ضرورة قدومه بسرعة و قبل السادس عشر من  أيلول ، لحضور جلسات الاتفاق بين البريطانيين و الفرنسيين حول سوريا ، و فعلا سافر فيصل مرة أخرى إلى مرسيليا بالبحر على متن سفينة حربية بريطانية ، و لكن السفينة أخذت تتباطأ ، و رست في مالطا بحجة الإصلاح ، و أقام حاكم مالطا برنامجا حافلا لفيصل قصد تأخيره ، و عندما وصل أخيرا إلى مرسيليا أدرك ان الأمر قد انتهى ، و كان الاتفاق قد تم توقيعه ، و عندما وصل إلى لندن لم يجد أمامه إلا الاستقبالات الفخمة المليئة بالبذخ و الترف  و الحفلات المقامة على شرفه .
أفهم الإنكليز فيصل ان علاقته من الآن باتت مع الفرنسيين ، و أنهم سيتوقفون عن دفع نفقات الحكومة العربية البالغة مائة و خمسون ألف جنيه ذهبي شهريا ، و ان قواتهم ستنسحب في  نهاية عام 1919 باتجاه العراق و الأردن و فلسطين ، من دمشق و حمص و حماه و حلب ، و ستدخل القوات الفرنسية بدلا عنها .
 صدرت الصحف الفرنسية لتقول : يجب ان تنتهي مهزلة فيصل ، فمن هو فيصل بالنسبة للفرنسيين او السوريين ، هو رجل من قش ، صنعته بريطانيا ، فإذا أرادت ان تعطيه مملكة  فلتنصبه ملكا في بغداد .
و عندما وصلت الأخبار إلى السوريين زاد الهياج العام ، و تنادى الناس إلى حمل السلاح ، و نادى آخرون بالاتصال بالقائد التركي مصطفى كمال الذي استطاع صد الحلفاء عن وطنه تركيا لطلب المعونة .
نشبت الثورات الوطنية المدعومة سراً من فيصل ، كثورة الشيخ صالح العلي في الساحل ضد القوات الفرنسية ، و قامت ثورة صبحي بركات في إنطاكية ، الذي استطاع الفرنسيون فيما بعد استمالته إليهم بعدما و عدوه بالمناصب و سلموه لاحقا رئاسة اتحاد الدول السورية ، و قامت  ثورة إبراهيم هنانو في جبل الزاوية و التي مدها الأتراك بالرجال و العتاد ، و تعاونت مع ثورة صالح العلي ،كما ثار الدنادشة في منطقة تلكلخ ، و ثار غيرهم من الثوار الكثير .
و حاول قائد الجيش ياسين الهاشمي و هو ضابط عثماني سابق من بغداد ، تسليح رجاله ، و أعلنت الحكومة التجنيد الإجباري،  و بلغ تعداد الجيش العربي حوالي خمسة عشر ألف جندياً ، و لكن تسليحهم كان رديئا ، و كانوا أشبه بجنود درك و ليسوا بجنود جيش .
قام الإنكليز ردا على إعلان التجنيد العام ،  بالقبض على ياسين الهاشمي قائد الجيش العربي ، فرفعت اللافتات في الشوارع تقول لفيصل : ( أين قائد جيشك يا أمير ) ، و لم يستطع فيصل فعل شيء، فعمت الإضرابات و قامت المظاهرات .
و تحرك الأمير رمضان شلاش و هو شيخ عشيرة البوسرايا في منطقة دير الزور ، و كان ضابطا في الجيش العثماني ،  فقبض على الحامية الانكليزية ، و أعلن الثورة ، فما كان من فيصل إلا ان تدخل و طلب من شلاش إطلاق الجنود الإنكليز ،  و موافاته في دمشق .
انسحبت القوات البريطانية من الداخل السوري في الشهر الحادي عشر من عام 1919 ، بعد تواجد دام حوالي العام كان للإنكليز خلاله اليد الطولى في حكم البلاد بشكل مباشر ، و تعيين الحكام العسكريين و فرض إرادتهم ، و كانت سلطة الملك فيصل صورية لا قيمة لها .
بعدما خدع البريطانيون  فيصل ، و من قبله والده الشريف حسين ، المرة بعد المرة ، فكانوا ينظمون له الاستقبالات الفخمة و ينفقون عليه الأموال الطائلة ، و يقسمون سورية من وراء ظهره . 
و يبدو ان  الأمير فيصل الذي نصب ملكا لفترة قصيرة بعدها على سوريا ، كان يسعى منذ البداية إلى كرسي الملك ، متجاهلا المصالح الوطنية ، فقد غادر سوريا فورا ، صيف عام 1920 و  بعد عشرين شهرا من دخولها مع قواته ، و ذلك عندما دخلها المحتلون الفرنسيون ، لينصبه الإنكليز لاحقا ملكا على العراق.
و ما أشبه اليوم بالأمس ، فما زال بعض زعماء لبنان بعد مرور حوالي المائة عام ، يتقلبون في  ردهات قصور فرنسا و إنكلترا و الولايات المتحدة ، يتفقون مع سياسيوها بغير ما يصرحون به لمواطنيهم ،  و ما زال بعض زعماء العراق و فلسطين و غيرهم ، يسيرون على ذات الركب ، اعتقادا منهم ان أصحاب هذه القصور  هم من سيعطونهم الاستقلال ، و ينصبونهم على كراسي الحكم في بلادهم ، و النتائج معروفة ، ومن يقرأ التاريخ يعتبر .

سيريا بوست - المحامي علاء السيد


المراجع :
- تاريخ سورية 1918-1920:  الدكتور علي سلطان مدرس التاريخ الحديث في جامعة بروفانس بفرنسا ،طبعة عام 1987.
-تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي : أدهم آل جندي ، طبعة عام 1960
- مقررات حكومة سوريا : يوسف صادر ،طبعة عام 1933
- كفاح الشعب العربي السوري : إحسان الهندي طبعة عام 1962
- المذكرات : محمد كرد علي .
- أعمدة الحكمة السبعة : ت . أ. لورنس  .
- شعاع قبل الفجر مذكرات احمد السياف : تحقيق جمال باروت .
- حلب في مائة عام :  فؤاد عنتابي و نجوى عثمان .
 

إضافة إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليق):

إضف تعليقك comment

  • email إرسال إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية (للجوال)
Tags
No tags for this article
قيم هذا الخبر
0