بحسيتا ..حكاية بيوت المتعة في حلب ..( ج 1من 2 ).بقلم المحامي علاء السيد
ما ذُكرت بحسيتا أمام حلبي ، إلا و ابتسم .
أثار هذا الأمر فضولي . و بما أن جيلنا لم يعرفها ، و الجيل السابق الذي أدركها يتجنب الحديث عنها ، و كلما سألت كبار السن عنها ينفون - في البداية و بشدة - معرفتهم المباشرة بها ، ثم - تدريجيا - يتبسطون و يسترسلون في الحديث عنها ، و يشيرون بحذر أنهم ربما زاروها مرة او مرتين للإطلاع على ما فيها فقط ، ثم و بصوت منخفض - مع تحذيري من نقل ما يحكونه على لسانهم - يروون مغامراتهم فيها .
و بما أنها تعد جزءا من تاريخ بلدنا ، و التاريخ تاريخ ،سواء كان سلبيا او ايجابيا ، و لم أجد في أي مرجع دراسة وافية لتاريخ هذا المكان ، الذي قل من امتنع عن زيارته في ذلك الزمان ، حسبما تبين لي ، و لأهمية المؤشرات الأخلاقية و الاجتماعية التي يكشفها تاريخه ، و التي أترك تقديرها للقراء ، قمت بجمع المعلومات عنه من شفاه من عاصروه ، و ها أنا أقدمها لكم في مقالتي هذه :
في عام 1901 م قرر والي حلب العثماني رائف باشا افتتاح دار دعارة مرخصة في حلب ، أسوة بباقي مدن السلطنة العثمانية ،كما ذكر الطباخ في كتابه إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء ، و كان الهدف منها حصر و تنظيم عمل المومسات في هذا المجال منعا من تواجدهن في مختلف الأحياء و فرض رقابة صحية عليهن ، و انقسم الناس حينها بين مؤيد لفكرة حصر الدعارة في أماكن محدودة ، و معارض بشدة للترخيص الرسمي لها ..
يقول الطباخ في كتابه الصادر في العشرينيات من القرن الماضي : (بعد ان كانت المومسات قلائل أصبح عددهن يناهز خمسمائة ، و أصبح زائرو هذه الأماكن مئات من الناس بل ألوفا ، و تهافت الشباب على هذه المواخير لسهولة الوصول إليها و فشا فيهم داء الزهري و التعقيبة) .
لكن ترخيص الدعارة في أماكن محددة محصورة لم يمنع انتشار هذه الظاهرة بشكل سري، و المرأة التي كانت تمارس الدعارة بدون رخصة خارج البيوت الرسمية المخصصة لها، كانت تعاقب بالحبس ، فإذا ضبطت مرة ثانية او ثالثة تجبرها السلطات المختصة على الإقامة الإجبارية في دور الدعارة المرخصة.
و تقرر على إقامة بيوت الدعارة المرخصة في حلب - التي أطلق عليها اسم المحل العمومي - في حي بحسيتا ،التابع لحارة القلة ، قرب ساعة باب الفرج الحالية .
كان أغلب سكان حارة القلة و بحسيتا قبل افتتاح المحل العمومي من العائلات اليهودية ، و قد حدد مؤرخ حلب كامل الغزي في كتابه نهر الذهب عدد سكانها اليهود بحوالي أربعة ألاف شخص في العشرينيات ، و اشهرهم آل جدّاع , آل نحمات , آل ساسون , وآل دويك ، الذين انتقل الأغنياء منهم للإقامة في محلة الجميلية تجنبا للإقامة قرب بيوت الدعارة .
أما معنى اسم بحسيتا فقد أورد الغزي عدة آراء حول معنى الاسم ، و رجّح أخيرا ان بحسيتا مركبة من كلمتين : أولاهما بيت و التي تختصر في السوريانية بحرفي ( با ) فقط مثل أسماء المناطق السوريانية الأخرى ( بانقوسا و تعني بيت الناقوس ، باريشا و تعني بيت الريس و غيرها ) والثانية حسيوتا ومعناها الغفران أو الطهارة ، و بذلك يكون معناها بيت الطهارة و المغفرة .
ويقول الغزي : (الظاهر إنه كان فيها زمن الكلدانيين مكان مقدس ،يقصده الناس للاعتراف بخطاياهم )
أما خير الدين الاسدي صاحب موسوعة حلب المقارنة فقد رجح رأياً آخر أورده الغزي فيما أورده من آراء ، و هو الرأي الذي يقول أن الاسم محرف من باح سيتا ، وان شخص اسمه سيتا باح بسر ما ، و افترض الاسدي ان سيته هذا رجل صالح و لهذا السبب هناك جامع قديم جدا في المنطقة اسمه جامع سيته .
و هناك رأي يقول ان سيتة هو اسم منطقة من اصل سورياني ، و ان جامع سيته المذكور كانت له باحة أمامه ، و بدمج باحة مع اسم سيته كانت بحسيتا .
و أنا أرجح رأي الغزي على الآراء الأخرى فمن الواضح ان اسم سيته هو اسم قديم آرامي سرياني ، و لا يعقل ان يسبق بكلمة عربية هي كلمة باح ( بمعنى أفشى ) أو بكلمة باحة ( بمعنى ساحة ) .
شارع بحسيتا هو شارع مستقيم بطول ثلاثمائة متر تقريبا ، على جانبيه كانت توجد الدكاكين و اغلبها بقاليات ، و منها دكان يبيع المشروبات الروحية ، و في منتصف الشارع جهة اليمين يوجد مدخل صغير يؤدي الى زقاق المحل العمومي .
و سابقا كان في الزقاق الذي أقيم فيه المحل العمومي قبل ترخيصه ، مضافة للعموم ، و يطلق العامة على بيوت الضيافة اسم المنزول ، و هي من كلمة ( نزل ) الفصحى ، فيقال مثلا : (حللت أهلا و نزلت سهلا ) ، و عادة كان الأثرياء و الباشاوات و الآغوات ينشئون مكانا مخصصا لإقامة الأغراب و ضيافتهم مجانا ،هو المنزول ،و يسمى في الأرياف ( الاوضة ) .
و بعدما تحول هذا الزقاق الى مكان للدعارة ، صار اسم المنزول لدى الحلبيين مرتبطا ببيوت الدعارة ، بينما يستخدم أبناء بقية المحافظات هذا الاسم للإشارة الى المضافات . كما يستعمل الحلبيون كلمة كارخانة للدلالة على بيوت الدعارة ، و هي كلمة تركية تعني ( مكان العمل ) ، فالكار هو العمل او المهنة و الخانة هي المكان .
كان المحل العمومي الذي تم ترخيصه للدعارة ، مؤلف من مدخل ضيق يحمل رقم 142 في لوحة معلقة على جداره ، و لذلك اشتهر هذا الرقم كرمز للمنزول .
و تنفذ من المدخل الى زقاق ضيق ، على طرفيه مجموعة من الدور العربية، لكل دار حوش و عدة غرف موزعة في أطرافه ، لبعضها غرف علوية ( مربع ) .
و في نهاية الزقاق منفذ آخر له باب مغلق لا يفتح إلا في أحوال خاصة كاستقبال الجنود الفرنسيين و المليس ( و هي كلمة مشتقة من ميليشيا ) او لدخول الأطباء و موظفي الصحة .
قرب المحل العمومي كانت توجد حمام عامة تحمل اسم حمام الهنا ، و قد خصصت أوقات محددة فيها لفتيات الكرخانة ، و قد هدمت الآن .
و قرب المنزول مشفى خصصته الدولة لفحص الفتيات و لمعالجة الأمراض التناسلية .
في الأربعاء من كل أسبوع ، تخرج الفتيات من الباب الخلفي للزقاق المخصص لهذا الأمر ، ليقمن بزيارة الطبابة الشرعية - التي كانت قريبة من المنزول - لإجراء الفحص الدوري ، و في حال تبين إصابة أي منهن بمرض ما ، تعزل و تحجر حتى تتماثل للشفاء في المستوصف القريب من المنزول . و توجد فيه غرف تشبه الزنزانات ، كما تحجر الفتيات فيه طوال فترتهن النسائية الشهرية ، لمنعهن من العمل خلالها .
كانت الفتيات تلجأن لكيّ الرحم منعا من حصول الحمل ، و الى الإجهاض في حال تم حدوثه ، فقد كانت تربية الأطفال ممنوعة داخل المحل العمومي .
في مدخل المحل العمومي غرفة صغيرة تتواجد فيها دائما مفرزة مؤلفة من عنصرين من رجال الشرطة ، لمنع دخول الأحداث و للتفتيش عن الاسلحة منعا من استعمالها من قبل أقرباء الفتيات اللذين يرغبون بقتلهن لغسل عارهم .
للشرطي في المنزول أهمية عظمى ، فهو يمنع إدخال الأسلحة والسكاكين والمشروبات ويتدخل في كل صغيرة وكبيرة .
و يصدف أحيانا أن يعين شرطي متساهل ، فيتقاضى مبلغ بحدود الربع ليرة سورية - ارتفعت لاحقا الى ليرة واحدة - لغض النظر عن الشبان القاصرين الذين دون السن القانونية و الراغبين في دخول المنزول .
أمام مدخل المنزول مباشرة يوجد مسرح ضخم لتقديم العروض الفنية ، مؤلف من ثلاث طوابق ، على واجهته الحجرية كتابة قديمة هي ( قهوة السلام ) ، و قد اشتهر آخر أيام عمل المنزول باسم ( مسرح غازي )، و كانت الفتيات اللواتي يملكن مواهب فنية يقدمن عروضا فيه، و يسمين حينها الخوجات و مفردها خوجة ، و لا يشترط بالخوجة ان تمتهن الدعارة .
في المنزول تقيم عشرات الفتيات البالغات من مختلف الأعمار و الجنسيات، و كلهن غريبات من خارج المدينة ، فلا تضع السلطة فتاة من ذات المدينة في منزول المدينة ، لأنها تتعرض للقتل فورا من قبل أفراد عائلتها .
السبب الأكبر الذي كان يدفع الفتيات للدعارة ، و من ثم الإقامة الجبرية في المحل العمومي بعد القبض عليهن ، هو الفقر و الظروف الاجتماعية و الأسرية السيئة ، و أغلب المومسات لسن جميلات .
كانت المشروبات الروحية ممنوعة بشكل رسمي تجنبا للمشاكل التي يثيرها السكارى ، و لكن بعض الزجاجات كانت تتسرب للداخل ، كما تقدم المطاعم المحيطة بالمحل العمومي أنواع اللحوم المشوية الى داخل المحل .
لا يجوز أبدا إخراج الفتيات من المحل العمومي الى منازل المدينة . و يحق للفتاة يوم إجازة أسبوعي هو يوم الاثنين فكانت الفتيات - في فترة بعد الظهر - ترتدين لباسا محتشما ، و يركبن الحنتور مع رجال مفضلين لديهن لحضور السينما .
و في حال كبرن في السن ينقلن الى منزل قريب يسمى المنزول العتيق ، حيث يمضين ما تبقى من حياتهن في عوز و فاقة بالغين.
كان أغلب رواد المحل العمومي من الشباب العازبين و المراهقين و من العساكر و الوافدين الغرباء عن المدينة.
كان للعساكر يوم خاص هو الخميس مساءاً ، من الساعة السابعة حتى التاسعة مساءاً ، و تم تغييره لاحقاً الى يوم الجمعة ، و لهم تخفيض خاص في السعر يصل حتى النصف ، و يأتون برفقة عريف و يصطفون بالدور برتل عسكري ، قد يصل الدور الى العشرات ، و تستبدل يومها مفرزة الشرطة التي تحرس مدخل المنزول بعناصر من الشرطة العسكرية.
في الأربعينات كانت هناك ثلاث تسعيرات متعارف عليها ، و هي ليرتين ، و ثلاث ليرات ، و خمس ليرات ، تبعا لعمر الفتاة و مستوى جمالها ، و قد زادت هذه التسعيرة لتصل الى إحدى عشر ليرة في أواخر أيام المحل العمومي .
يمضي الشاب مع الفتاة فترة قصيرة لقاء هذا المبلغ لا تزيد عن ربع ساعة ، في حال رغب بتمديدها لمدة ساعة كان عليه ان يطلب فنجان قهوة و يدفع ثمنا له ليرة كاملة، أما إذا رغب بتمضية ليلة كاملة فيدفع تسعيرة مرتفعة و يسمى هذا الأمر الأنكاجيه ( و هي كلمة من اصل لاتيني يستعملها الفرنسيون و الإنكليز و تفيد التعليق و الانشغال ) .
بعد وصول الكهرباء للمنطقة ، وضُع في أرض حوش كل دار آلة كهربائية تسمى ( بيك آب ) لإذاعة تسجيلات الاسطوانات ، فيضع الرجل ربع ليرة سورية فيها ، و ينتقي الاسطوانة التي تحمل الأغنية التي يفضلها ، لتدار آليا .
ومن اشهر الفتيات اللواتي أقمن فيه في العشرينيات الفنانة ( بديعة ) اللبنانية الأصل ، و التي حملت لاحقا لقبٌ مشتق من حي المصابن القريب من بحسيتا ، هي الفنانة الشهيرة ( بديعة مصابني ) ، و كانت تقوم بالرقص و الغناء في المسرح المقابل للمحل العمومي، ثم رحلت الى لبنان ثم مصر حيث أقامت كازينو شهير جدا و هو كازينو بديعة مصابني ، و قد صدر فيلم مصري شهير بطولة نادية لطفي حول حياتها ، و في آخر حياتها عادت بديعة مصابني الى شتورة في لبنان ، حيث فتحت مخزنا صغيرا بالقرب من مزرعة عائدة لها ، تبيع فيه الألبان على الطريق العام باتجاه الحدود السورية .
يتبع



del.icio.us
Digg
التعليقات (6 تعليق):
الله يحميك و يطور لك ذكائك العظيم والى الأمام يا مفكرينا الأفاضل
لزم نكون واقعين بهك تاريخ ليش هالايام كلشي في بس على المكشوف وبقولوا ما عمنعمل شي.
هدا شغلنا وباب رزقتنا شوا راح تعمل الناس حتى تعيش في هك ظروف سودهالله يعين الناس كلشي غالي والبنآدم ارخص شي
شيء كان موجودا ومن باب العلم بالشيء يهمنا ان نعرف ماذا كان وكيف كان على وجهه الحقيقي انكارك للموضوع لا يلغي وجوده
والا فاننا سوف نكون كالنعامة تدفن رأسها بالتراب فتظن ان كل شيء على ما يرام
إضف تعليقك